حقق الريال اليمني في عدن معجزة اقتصادية حقيقية وسط زمن الحرب والصراعات، بحفاظه على مستوى استقرار ملحوظ أمام العملات الأجنبية، في مقابل انهيار قيمته في صنعاء بشكل يفوق ثلاثة أضعاف، مما خلق فجوة سعرية تاريخية تعكس عمق الانقسام الاقتصادي والسياسي في البلاد.
تمكن البنك المركزي اليمني في عدن من تحقيق استقرار نقدي استثنائي خلال الأيام الماضية، حيث استقر سعر الدولار الأمريكي عند 1617 ريالاً للشراء و1632 ريالاً للبيع، بينما سجل الريال السعودي 425 ريالاً للشراء و428 ريالاً للبيع، وهي أسعار تمثل نجاحاً باهراً في ظل الظروف الاستثنائية التي تشهدها البلاد.
في المقابل، تشهد صنعاء الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي انهياراً مدوياً في قيمة العملة المحلية، حيث بلغ سعر الدولار مستويات قياسية منخفضة عند 535 ريالاً للشراء و538 ريالاً للبيع، فيما استقر الريال السعودي عند 140 ريالاً للشراء و140.40 للبيع. هذا التباين الهائل يعني أن الريال في عدن يحتفظ بقوة شرائية تزيد ثلاث مرات عن قيمته في صنعاء، مما يخلق واقعاً اقتصادياً معقداً لم تشهده البلاد من قبل.
تأتي هذه المعجزة الاقتصادية نتيجة حزمة إجراءات صارمة ومدروسة اتخذها البنك المركزي للحد من المضاربات وتعزيز الاستقرار النقدي. تشمل هذه الإجراءات تشديد الرقابة على شركات الصرافة، وتجفيف منابع المضاربة، وإعادة ضبط آليات السوق النقدية بما يحقق التوازن والاستقرار المطلوب في ظل الأزمة الاقتصادية الراهنة.
يُعد هذا الاستقرار في عدن بمثابة شهادة حية على قدرة المؤسسات النقدية الشرعية على إدارة الأزمات الاقتصادية بكفاءة عالية، رغم التحديات الجسيمة المتمثلة في توقف تصدير النفط والغاز، وانقطاع الموارد الرئيسية للدولة، وتداعيات الحرب المدمرة التي تشهدها البلاد منذ سنوات.
تلعب الفجوة السعرية الكبيرة بين المنطقتين دوراً محورياً في تعميق الانقسام الاقتصادي والاجتماعي، حيث تخلق تباينات جوهرية في مستويات المعيشة والقوة الشرائية للمواطنين. هذا الوضع يفرض تحديات هائلة على التجارة البينية والتبادل الاقتصادي، ويعقد مسارات إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية المستقبلية.
أشار الصحفي الاقتصادي محمد الجماعي إلى أن هذا التحسن ليس مجرد ارتفاع وهمي، بل نتيجة جهود حقيقية ومتواصلة من قبل المؤسسات المالية الشرعية. وأكد أن التعاون بين جميع مكونات الدولة وأدواتها العسكرية والمدنية ساهم بشكل فعال في تحقيق هذا الإنجاز، مقارناً ذلك بسياسات الحوثيين التي وصفها بأنها "نشاز قائمة على القوة لا على العوامل الاقتصادية".
من جانبه، حذر الأكاديمي والمحلل السياسي الدكتور عبد الوهاب العوج من خطر حدوث "ردة عكسية" إذا لم تصاحب هذه الإجراءات النقدية تحسينات حقيقية في السياسة المالية والاقتصادية العامة. وأشار إلى ضرورة استعادة تصدير النفط والغاز، وتشغيل المصافي، والسيطرة على الكتلة النقدية في مناطق الحوثيين، لضمان استدامة الاستقرار النقدي على المدى الطويل.
تشهد أسواق الصرافة في عدن حالة من الهدوء والاستقرار النسبي، مما يعكس نجاح الإجراءات الرقابية في كبح جماح المضاربين وإعادة الانضباط إلى السوق. هذا الوضع يساهم في تعزيز الثقة بالعملة المحلية ويحفز النشاط التجاري والاستثماري، رغم التحديات الهيكلية الكبيرة التي لا تزال تواجه الاقتصاد اليمني.
تأتي هذه النتائج الإيجابية في إطار معركة اقتصادية شاملة تخوضها الحكومة الشرعية ضد سياسات الحوثيين التدميرية. ويمثل استقرار العملة في عدن أحد أبرز إنجازات هذه المعركة، والتي تهدف إلى استعادة الاستقرار المالي والنقدي وحماية حقوق المواطنين ومدخراتهم من السياسات الاقتصادية المدمرة للجماعة الانقلابية.
رغم هذا التفاؤل المبرر، يؤكد الخبراء على أن استدامة هذا الاستقرار تتطلب جهوداً مضاعفة وإصلاحات هيكلية شاملة، خاصة فيما يتعلق بإعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية وموارد الطاقة والإيرادات الحكومية. كما يتطلب الأمر مواصلة الضغط على شركات الصرافة المخالفة وتعزيز آليات الرقابة والمحاسبة لضمان عدم عودة المضاربات التي كادت تعصف بالعملة الوطنية.
تعكس هذه التطورات الإيجابية في عدن قدرة المؤسسات الشرعية على تحقيق إنجازات ملموسة حتى في أصعب الظروف، وتؤكد أن الطريق نحو التعافي الاقتصادي الشامل ممكن رغم التحديات الجسيمة. هذا الاستقرار النقدي يمهد الطريق لمرحلة جديدة من إعادة البناء الاقتصادي والاجتماعي، شريطة المحافظة على هذا الزخم وتعزيزه بإصلاحات هيكلية مدروسة وشاملة تتناول جذور المشكلة الاقتصادية في اليمن.