تتجاوز قيمة الأموال المتداولة خارج النظام المصرفي اليمني رسمياً 3.27 تريليون ريال، في مفارقة صارخة لنمو اقتصادي اسمي تجاوز 36 تريليوناً، لتتحول هذه الكتلة النقدية المهربة إلى قلب أزمة سيولة متفجرة تهدد بانهيار القطاع المالي بالكامل.
تكشف الأرقام عن فجوة مخيفة بين مسارين: فبينما قفز الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 264% بين عامي 2017 و2025، لم تتجاوز الزيادة في الكتلة النقدية خارج البنوك 114%. ووصل التناقض إلى ذروته بين 2022 و2025، حيث نما الاقتصاد 37% بينما كان نمو المعروض النقدي المصرفي شبه متجمد عند 4% فقط.
قد يعجبك أيضا :
وترجع الباحثة الاقتصادية ميرفت عبدالواسع جذور الأزمة إلى حرب اندلعت أواخر 2014، أدت إلى انهيار ثقة المودعين وسحب ما بين 50% إلى 75% من الودائع البنكية. وتوضح عبدالواسع أن "تراجع الثقة بسبب الانقسام المصرفي والمخاطر المرتفعة دفع الأفراد والشركات للاحتفاظ بأموالهم نقداً خارج الجهاز المصرفي".
نتيجة لذلك، انتقلت الحركة المالية بالكامل تقريباً إلى محلات الصرافة، التي تحولت إلى ما يشبه "بنوكاً بديلة غير منظمة" تسيطر على التعاملات والتحويلات. وينتج عن هذا التحول خطورة بالغة، تتمثل في خنق عمليات الاستيراد لصعوبة الحصول على النقد الأجنبي، وارتفاع جنوني في كلفة العمولات، وتحول سوق الصرافة إلى ساحة للمضاربة بالعملة مما يغذي التضخم.
قد يعجبك أيضا :
ويشير التقرير إلى أن تحويلات المغتربين، التي بلغت ملياري دولار عام 2025، باتت تمثل شريان الحياة الرئيسي للنقد الأجنبي، إلا أن هذه الأموال أيضاً تصب في شبكات الصرافة بعيداً عن القنوات الرسمية.
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي ماجد الداعري أن وجود بنكين مركزيين بسياسات متعارضة هو المحرك الأساسي لهذا الشلل. ويتهم مليشيا الحوثي باستغلال سيطرتها على المركز المالي الأكبر لتجفيف السيولة وإخفاء النقد المتداول عن البنك المركزي في عدن، لإفشال سياساته النقدية.
قد يعجبك أيضا :
ويكشف الداعري عن خلل داخل مناطق الحكومة الشرعية نفسها، حيث تتراكم كتلة نقدية ضخمة في محافظة مأرب من عوائد النفط والغاز والجمارك، دون أن تورد إلى البنك المركزي، مما يعطل الدورة المالية.
ويطرح التقرير لغزاً مالياً: فالحكومة اليمنية طبعت نحو 5 تريليونات ريال منذ عام 2016، وهي كتلة تعادل ثلاثة أضعاف ما طبع منذ قيام الوحدة عام 1990، ومع ذلك تعجز عن صرف الرواتب بانتظام. ويوضح الداعري أن جزءاً كبيراً من هذه الأموال محتجز داخل خزائن البنوك التجارية نفسها، التي تخشى التقلبات الحادة في أسعار الصرف، مما يفاقم الركود.
أما الدكتور محمد قحطان، أستاذ الاقتصاد بجامعة تعز، فيرى المخرج في العودة إلى الاقتصاد الريعي المعتمد على النفط. ويشير إلى أن التحركات الأخيرة لشركة "هنت" النفطية الأمريكية، واتفاقها المبدئي مع الحكومة الشرعية لاستئناف الإنتاج والتصدير، قد تمثل طوق نجاة فريدة.