"عندما نتحدث عن استعادة الموارد لا نعني الأموال فقط، بل نعني أيضاً استعادة الرواية اليمنية نفسها." بهذه الكلمات المباشرة، وضع وزير الثقافة اليمني مطيع أحمد قاسم دماج معركة بلاده من أجل تراثها في قلب أزمة وجودية، بينما يتعرض إرث آلاف السنين لما وصفه خبير دولي بـ"عاصفة كاملة من التهديدات" تتراكم فوقه: حرب مستمرة، نهب منظم، وتغير مناخي متسارع.
تلك العاصفة، حسب التقرير الدولي الذي سلط الضوء على الوضع، تتكون من عوامل الحرب والعزلة ونقص التمويل وضعف الرقابة وغياب الاهتمام الدولي وتغير المناخ والنهب، وتهدد المواقع الأثرية اليمنية بخطر غير مسبوق. في هذا المشهد الكارثي، تسعى مجموعة متنامية من اليمنيين، خاصة النساء، إلى استخدام التراث الثقافي كوسيلة لمقاومة الصورة النمطية الدولية للبلاد المنهكة بالحرب، وإبراز جوانب أخرى من الحياة الثقافية.
قد يعجبك أيضا :
منذ اندلاع الحرب عام 2014، تعرضت مواقع تاريخية للقصف والمعارك، كما ساهم اتساع الفقر في تنشيط عمليات نهب وتهريب الآثار من المواقع غير المحمية. في مدينة تعز، العاصمة الثقافية لليمن، لا تزال آثار سنوات الحصار والانقسام واضحة، وشبه التقرير خطوط التماس فيها بـ"جدار برلين"، بينما لحقت أضرار جسيمة بمعالم مثل قلعة القاهرة والمكتبة الوطنية.
في محافظة مأرب، موطن مملكة سبأ التاريخية، تبقى العديد من المواقع غير مكتشفة بالكامل، والمواقع المكتشفة محاطة بأسوار متهالكة عرضة للنهب والتخريب والعوامل البيئية. ورغم تراجع حدة الحرب منذ اتفاق الهدنة عام 2022، تشير التقارير إلى أن غارات جوية إسرائيلية في سبتمبر 2025 ألحقت أضراراً بالمتحف الوطني في صنعاء ومناطق أخرى.
قد يعجبك أيضا :
جهود الحماية تواجه صعوبات اقتصادية هائلة. ميزانية قسم المتاحف في وزارة الثقافة لا تتجاوز ألف دولار شهرياً، وتقول عالمة الآثار سميرة القباطي أن الظروف المعيشية القاسية تجعل من الصعب مطالبة المواطنين بإعطاء الأولوية للتراث. تشير الصحيفة إلى أن من أولويات الوزير استعادة القطع المهربة عبر اتفاقيات مع دول مثل ألمانيا والولايات المتحدة، لكن هذه المهمة تتطلب إقناع الحكومة وأيضاً توفير متاحف آمنة.
واجهة جديدة لهذه المعركة تتصاعد فيها دور المرأة اليمنية. مؤتمر التراث الذي عقد في تعز شهد مشاركة واسعة للنساء العاملات في الآثار والترميم، مثل نهى عون وسميرة القباطي. كانت أدوار النساء تقتصر غالباً على الأعمال المكتبية، لكن برامج دعمتها اليونسكو ساهمت في توسيع مشاركتهن في العمل الميداني والإشراف على مشاريع الترميم.
يرى المخرج السينمائي الأمريكي برنت إي. هوفمان، الذي شارك في تنظيم المؤتمر، أن النساء أصبحن حلقة أساسية في نقل المعرفة التراثية إلى الأجيال القادمة. وتعمل أخصائية التراث نهى عون على ترميم منشآت تقليدية مثل "المرنعة"، وهي وسيلة قديمة لاستخراج المياه، مؤكدة أنها ليست مجرد آثار بل جزء من الهوية والذاكرة الجمعية لليمنيين.
تغير المناخ يضيف تهديداً آخر. التصحر يسرع تآكل النقوش والمباني التاريخية، والفيضانات تلحق أضراراً بالمباني الطينية. وتحذر نهى عون من أن استخدام مواد حديثة مثل الإسمنت في الترميم قد يؤدي إلى نتائج عكسية.
قد يعجبك أيضا :
الدعم الدولي أيضاً يواجه تراجعاً. بعد أن كانت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) من أكبر الممولين، ألغيت الوكالة عام 2025، ما أثر على حجم التمويل المتاح. وتواجه اليونسكو صعوبات إضافية بعد احتجاز الحوثيين عدداً من موظفي الأمم المتحدة.
يخلص التقرير إلى أن معركة إنقاذ التراث الثقافي اليمني لا تقل تعقيداً عن المعارك الأخرى، وأن نجاحها يتطلب حماية المواقع، واستعادة الآثار المنهوبة، وتأهيل الكوادر المحلية، وتعزيز الدعم الدولي، للحفاظ على ذاكرة حضارية تمتد لآلاف السنين.