مفارقة اقتصادية مربكة تجتاح اليمن: نجاح البنك المركزي في عدن في خفض سعر صرف الريال من نحو 2900 ريال للدولار إلى حدود 1600 ريال، تحول إلى نقيضه مع اندلاع أزمة سيولة خانقة شلت النشاط الاقتصادي وأضعفت قدرة المواطنين على تسيير حياتهم اليومية، وفق تحليل أكاديمي متخصص.
هذا الاستقرار النسبي في سعر الصرف، مقابل اختفاء النقد المتداول، يكشف أن جوهر المشكلة هو فقدان الثقة في النظام النقدي، مما أدى إلى تعطّل دورة المال وتحول السيولة إلى أداة مكتنزة خارج التداول، بحسب التحليل.
تعيش هذه المفارقة في سياق اقتصادي وإنساني كارثي، حيث يعيش أكثر من 80% من السكان تحت خط الفقر، ويعاني نحو نصف السكان من انعدام الأمن الغذائي، بعد أن فقد الاقتصاد أكثر من نصف ناتجه منذ بداية الحرب. هذا الانهيار يرتبط بالانقسام النقدي بين عدن وصنعاء، الذي أدى إلى تآكل الثقة بالريال اليمني واتجاه الأفراد نحو الادخار بالعملات الأجنبية.
أزمة الحركة وليس الكمية
التشخيص الذي يقدمه التحليل يقول إن أزمة السيولة في جوهرها ليست نقصاً في الأموال، بل اختلال في حركتها. التجار والصرافون يحتفظون بالنقد خوفاً من تقلبات مفاجئة، والبنوك تتردد في تحويل العملات الأجنبية إلى الريال، والمواطن يجد نفسه مضطراً للتعامل بفئات نقدية صغيرة غير عملية، ما يعطل عمليات البيع والشراء.
هذا الجمود دفعت السوق إلى إنتاج حلول بديلة خارج النظام الرسمي، مثل الصرف عبر المتاجر أو الاعتماد على العلاقات الشخصية، وهي حلول مكلفة وغير عادلة.
سياسات تثبت السعر وتكبّل السوق
التحليل يرى أن السياسات النقدية الحالية، رغم نجاحها في وقف تدهور العملة، ساهمت بشكل غير مباشر في تعميق الأزمة. التشدد الرقابي على الصرافين، وتثبيت سعر الصرف بشكل شبه إداري، وحصر الوصول إلى العملة الصعبة بالتجار، كلها إجراءات حدّت من المضاربة لكنها في المقابل كبّلت السوق وقلصت السيولة المتاحة للأفراد. التجارب الاقتصادية تشير إلى أن تثبيت الأسعار دون مراعاة قوى العرض والطلب يؤدي دائماً إلى نشوء سوق موازية، وهو ما يحدث فعلاً في اليمن اليوم.
مخرج نحو 'الإدارة الذكية'
المعالجة الفعالة، وفق التحليل، تتطلب الانتقال من منطق السيطرة إلى منطق الإدارة الذكية. أولى الخطوات تتمثل في اعتماد سعر صرف مرن مُدار، يسمح بتفاعل السوق ضمن حدود رقابية واضحة، مع تقليل الفجوة بين السعر الرسمي والموازي. كما أن حل أزمة الفئات النقدية عبر إصدار عملات أكبر سيخفف من الاختناقات اليومية.
يجب تحفيز الصرافين على إعادة ضخ السيولة عبر ضمان استقرار السياسات وتقديم حوافز، وتوسيع قاعدة المستفيدين من مزادات العملة لتشمل الأفراد. وفي الجانب المالي، يصبح من الضروري تقليل الاعتماد على طباعة النقود لتمويل العجز، والتوجه نحو أدوات دين داخلية أكثر انضباطاً.
التحول الرقمي يمثل فرصة مهمة أيضاً، إذ يمكن لنظام مدفوعات وطني فعال أن يقلل الاعتماد على النقد الورقي، لكن نجاحه يتطلب بنية تحتية واتصالاً مستقراً.
جذر الأزمة: الانقسام النقدي
على المدى الأبعد، يبقى الانقسام النقدي بين عدن وصنعاء أحد أبرز جذور الأزمة، ولا يمكن تحقيق استقرار دائم دون تنسيق أو توحيد تدريجي للسياسات النقدية.
الخلاصة التي يقدمها التحليل هي أن أزمة الريال اليمني ليست أزمة سعر، بل أزمة ثقة. وعندما يفقد المواطن ثقته في العملة، تتعطل كل أدوات السياسة الاقتصادية مهما بدت ناجحة على الورق.
استعادة هذه الثقة لا تحتاج فقط إلى قرارات نقدية، بل إلى بيئة شفافة، وسياسات مستقرة، وشراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص، ودعم إقليمي منظم.
اليمن لا يفتقر إلى الحلول، بل إلى التنفيذ المتوازن. وإذا ما تم الانتقال من السياسات الانفعالية إلى الإصلاحات المدروسة، يمكن تحويل الاستقرار النقدي الحالي من حالة مؤقتة إلى مسار اقتصادي مستدام يعيد للريال دوره، وللسوق حركته، وللمواطن قدرته على العيش الكريم، وفق التحليل الذي أعدّه أ.د. عبدالوهاب العوج، أكاديمي ومحلل سياسي يمني.