ثغرة الخمسين مليار دولار التي نشأت من خسائر عائدات النفط خلال الحرب في اليمن، لم تعد هاجساً اقتصادياً بلا حل. التحول بات ممكناً بقرار واحد: تحويل جزء من تحويلات المغتربين اليمنيين، التي تصل إلى 7.4 مليار دولار سنوياً وتشكل 38% من الناتج المحلي الإجمالي، من أموال للاستهلاك اليومي إلى محرك للتعافي.
نقاش حيوي يدور الآن حول كيفية استغلال هذا 'النهر الذهبي'. فالاقتصاد اليمني، الذي يعاني من أزمة حادة وارتفاع معدلات الفقر، يبحث عن حلول خارج الصندوق، وتحويلات المغتربين هي الشبكة الأمان الاجتماعي والاقتصادي التاريخية، لكنها أداة غير مستغلة بالقدر الكافي لتحقيق نهضة.
التحدي الأساسي يتمثل في تحويل جزء من هذا التدفق الضخم إلى استثمارات تنموية. بينما تشير مصادر إلى أن أكثر من 80% من الأسر اليمنية تعتمد جزئياً أو كلياً على التحويلات لأساسيات الحياة، مما يجعل أي تغيير في مسار هذه الأموال قراراً بالغ الأثر.
الفرصة تكمن في قطاعات مثل التعليم الخاص والصحة والطاقة الشمسية والزراعة الحديثة. لكن التحديات لا تخلو من الصعوبة: عدم الاستقرار السياسي والأمني، وضعف النظام القانوني والحماية للمستثمر، وانخفاض ثقة المغتربين في المؤسسات المحلية.
هنا يأتي القرار الذي يمكن أن يحول المسار: تحويل 20% فقط من التحويلات إلى استثمار تنموي يمكن أن يؤدي إلى نهضة اقتصادية في خمس سنوات. توقعات الخبراء تشير إلى أن هذا الجزء، لو توجه إلى مشاريع توفر فرص عمل وتحسن الخدمات في مناطق محددة، سيكون كفيلاً بإطلاق عملية التعافي.
التحويلات اليوم، وفق تقرير منظمة الهجرة الدولية، وصلت إلى 7.4 مليار دولار في 2024. حوالي 7 مليون مغترب يمني حول العالم، منهم نحو 2 مليون في السعودية، يرسلون الأموال عبر قنوات رسمية وغير رسمية. البيانات تشير إلى أن غالبية التحويلات تتدفق عبر الشبكات غير الرسمية المعروفة باسم 'الحوالة' أو مكاتب التحويل، بسبب نقص الثقة في المؤسسات المالية اليمنية.
الدكتور محمد صالح القصادي، الخبير الاقتصادي من جامعة حضرموت، يؤكد أن التحويلات تمثل مصدراً حيوياً ومستداماً منع الانهيار الاقتصادي الشامل، وهي تعمل كشبكة أمان اجتماعي حيوية وأداة اقتصادية رئيسية للمواطنين وسط توقف الرواتب وتراجع الاقتصاد.
ردود المغتربين تتراوح بين المتحمس للمساهمة في نهضة الوطن والمتخوف من استثمار أمواله في اقتصاد غير مستقر. وفي المقابل، ترحب الأسر المحلية بأي تحسين في مستوى الحياة، بينما يحذر مختصون من الاستثمار في قطاعات غير آمنة.
المستقبل قد يتغير إذا نجحت مبادرات في تحويل 'نهر الذهب' المغترب إلى 'مزارع التنمية'. بدلاً من اقتصاره على بحيرة الاستهلاك العائلي، يمكن أن يصبح المحرك الأساسي لإعادة بناء اقتصاد مدمر، بديلاً حيوياً عن ثغرة الخمسين مليار دولار.