كشف الخبير الأثري اليمني الدكتور عبدالله محسن عن عرض أربع قطع أثرية نادرة تعود إلى عصر الدولة الرسولية في متحف المتروبوليتان للفنون بنيويورك، مسلطاً الضوء على جانب استثنائي من تاريخ سلاطين هذه الدولة كعلماء فلك متقدمين قبل 700 عام.
تتميز هذه القطع الأثرية بإظهارها لبراعة فلكية مذهلة تشهد على عمق المعرفة العلمية التي امتلكها حكام الدولة الرسولية، حيث تضم مجموعة المعروضات أسطرلاباً فلكياً نادراً للسلطان الأشرف عمر بن المظفر يوسف (1295-1296م)، الذي وُصف من قبل الباحث العالمي ديفيد كينغ المتخصص في الآلات الفلكية الإسلامية بأنه "قطعة استثنائية من حيث الدقة والتوثيق التاريخي".

يمثل هذا الأسطرلاب شاهداً حياً على المستوى المتقدم للمعرفة الفلكية في بلاط الدولة الرسولية، حيث يرتبط بنصوص علمية معاصرة كتبها السلطان نفسه حول صناعة الأسطرلاب والبوصلة الشمسية والمزولات. هذا الإنجاز العلمي يكشف عن شخصية فريدة جمعت بين الحكم والعلم، حيث لم يكن السلطان الأشرف مجرد حاكم سياسي، بل عالم فلك حقيقي ساهم في تطوير المعرفة الفلكية في عصره.
تشمل المعروضات أيضاً صينية فاخرة للسلطان المؤيد داود بن يوسف (1297-1321م) مصنوعة من النحاس ومطعمة بالفضة، تحمل نقوشاً فلكية دقيقة تُظهر أسماء الكواكب السبعة والأبراج الاثني عشر، ما يدل على الاهتمام العميق بعلوم الفلك في بلاط الدولة الرسولية وتطبيقها في الحياة اليومية للسلاطين.
تكشف هذه القطع النادرة عن حقيقة مذهلة حول طبيعة الحكم في الدولة الرسولية، حيث لم يكن السلاطين مجرد حكام عسكريين أو إداريين، بل علماء ومفكرين ساهموا شخصياً في تقدم المعرفة العلمية. هذا النهج الفريد في الحكم جعل من عاصمتهم تعز مركزاً علمياً وثقافياً رائداً في القرن الثالث عشر الميلادي.

يضاف إلى المجموعة إناء وضوء معدني منقوش ومطعم بالفضة صُنع في تعز خلال حكم الملك المجاهد علي بن المؤيد داود (1321-1363م)، يعكس الدقة الفنية والتقنية المتقدمة في الصناعات المعدنية، بالإضافة إلى موقد محمول للشواء يعود للملك المظفر شمس الدين يوسف بن عمر (1250-1295م)، مزين بشعارات الدولة الرسولية ورموز زخرفية أسطورية.
أوضح الدكتور محسن أن عرض هذه التحف في متحف المتروبوليتان، الذي يضم أكثر من ثلاثة ملايين قطعة أثرية ويستقطب سنوياً نحو خمسة ملايين زائر، يُعد فرصة استثنائية لإبراز الوجه العلمي والحضاري المشرق لليمن، خاصة في ظل الصورة المعاصرة التي تهيمن عليها السياسية والصراعات.

تمكنت الدولة الرسولية، التي اتخذت من "الوردة ذات الخمس بتلات" شعاراً لها، من إحداث نهضة علمية وثقافية شاملة امتدت لأكثر من قرنين، حيث ساهم سلاطينها في تطوير العلوم الفلكية والرياضية والطبية. هذا التقليد العلمي للحكام جعل البلاط الرسولي مقصداً للعلماء والمفكرين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
تؤكد هذه الاكتشافات أن روائع الدولة الرسولية المحفوظة في متاحف عالمية مثل لندن وباريس وبرلين وواشنطن تظل شاهدة على مرحلة ذهبية من تاريخ اليمن، عندما كان حكامه علماء فلك يساهمون شخصياً في تقدم المعرفة الإنسانية. دعا الخبير الأثري إلى تعزيز التعاون مع المؤسسات الدولية لتوثيق هذا الإرث العلمي النادر ودعم جهود استرداد القطع الأثرية المهربة، مؤكداً أن هذه التحف ليست مجرد قطع معدنية، بل شهادات حية على عصر ذهبي امتزج فيه الحكم بالعلم والسلطة بالمعرفة.