الرئيسية / اقتصاد وأعمال / الرواتب والمستحقات / انقطاع وتأخّر صرف المرتبات / أزمة نصف الراتب وتأخر الرواتب في اليمن: الأسباب والخلفية الكاملة
أزمة نصف الراتب وتأخر الرواتب في اليمن: الأسباب والخلفية الكاملة

أزمة نصف الراتب وتأخر الرواتب في اليمن: الأسباب والخلفية الكاملة

نشر: verified icon مروان الظفاري 29 يونيو 2026 الساعة 01:48 صباحاً

تحوّلت أزمة صرف نصف راتب في اليمن من إجراء استثنائي مؤقت إلى نمطٍ شبه دائم يعيشه مئات الآلاف من موظفي الدولة والمتقاعدين منذ سنوات. فبدلاً من راتب شهري كامل ومنتظم، بات كثير من العاملين في القطاع العام ينتظرون دفعات متقطّعة لا تتجاوز نصف المستحق، وأحياناً تتأخر شهوراً قبل أن تُصرف. وقد فاقمت ظاهرة تأخر صرف الرواتب من معاناة الأسر اليمنية في ظل انهيار العملة وارتفاع الأسعار، حتى صارت رواتب الموظفين أحد أبرز عناوين الأزمة الاقتصادية والإنسانية في البلاد.

هذا التقرير يعيد ترتيب خلفية الأزمة منذ جذورها، ويشرح لماذا تتكرر، ومن الفئات الأكثر تضرراً، مستنداً إلى ما أوردته جهات رسمية ووسائل إعلام، مع توضيح المسار الذي قاد من راتبٍ منتظم إلى ما صار يُعرف شعبياً بـ"نصف الراتب".

من راتب منتظم إلى "نصف راتب": كيف بدأت الأزمة؟

قبل عام 2016، كان صرف رواتب موظفي الدولة يجري وفق آلية مركزية موحّدة عبر البنك المركزي اليمني الذي كان يتخذ من العاصمة صنعاء مقراً له. كانت الإيرادات العامة من النفط والجمارك والضرائب تُجمَّع وتُوزَّع مركزياً، فيصل الراتب الشهري بانتظام نسبي رغم الحرب التي اندلعت في عام 2015.

غير أنّ نقطة التحوّل الكبرى جاءت أواخر عام 2016، حين أُعلن نقل مقر البنك المركزي اليمني من صنعاء إلى عدن. ترتّب على هذا القرار انقسام مؤسسي عميق في إدارة المال العام، إذ صار هناك بنك مركزي في عدن تابع للحكومة المعترف بها دولياً، وإدارة موازية في صنعاء. ومع هذا الانقسام تعطّلت الآلية الموحّدة لتجميع الإيرادات وتوزيع الرواتب، وتوقّف الصرف المنتظم لمرتبات قطاع واسع من الموظفين، خصوصاً في المناطق الواقعة خارج سيطرة الحكومة.

منذ تلك اللحظة، دخلت رواتب موظفي الدولة في دوامة من الانقطاع والتقطّع، وتباينت أوضاع الموظفين تبعاً لمناطق عملهم وجهة الصرف. وهنا يبرز الفرق الجوهري في تجربة الموظفين بين منطقة وأخرى، وهو ما نتناوله بتفصيل في تقرير رواتب موظفي صنعاء مقابل عدن.

لماذا لا تكفي الإيرادات لتغطية الرواتب؟

جوهر الأزمة اقتصادي بحت: النفقات العامة، وعلى رأسها فاتورة الأجور، أكبر بكثير من الإيرادات المتاحة. فالحرب أوقفت أو قلّصت تصدير النفط الخام الذي كان يمثّل المصدر الأول للإيرادات بالعملة الصعبة، فيما تراجعت الجباية الجمركية والضريبية بفعل انقسام المنافذ والمؤسسات. والنتيجة عجز مزمن بين ما يدخل الخزينة وما يتعيّن صرفه.

وفي هذا السياق، أشارت تقارير صحفية نقلاً عن مسؤولين في البنك المركزي إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب إيرادات كافية لتغطية النفقات الجارية. وقد لخّص موقع المشاهد نت هذا الواقع بقوله:

"لا توجد إيرادات كافية لدى البنك المركزي لتغطية النفقات العامة، وعلى رأسها رواتب الموظفين, في ظل تراجع مصادر الدخل الرئيسية للدولة." — المشاهد نت

هذا الاختلال البنيوي هو ما يدفع الجهات المسؤولة إلى اللجوء المتكرر إلى صرف "نصف راتب" بدل الراتب الكامل، باعتباره حلاً اضطرارياً يوزّع الموارد الشحيحة على أكبر عدد ممكن من المستحقين، بدلاً من صرف رواتب كاملة لفئة محدودة وحرمان البقية.

الاعتماد على الدعم الخارجي وطابعه المؤقت

في غياب إيرادات داخلية مستقرة، صار الدعم الخارجي رافعةً أساسية لصرف جزء من الرواتب في بعض المراحل. وقد لعبت الودائع والمنح الخليجية، ولا سيما السعودية، دوراً في إنعاش موارد البنك المركزي وتمكينه من تغطية دفعات من المرتبات.

تقرير عن دعم سعودي بقيمة 90 مليون دولار خُصّص للإسهام في صرف مرتبات موظفي الدولة في اليمن.

غير أنّ الإشكالية في هذا النموذج أنّ الدعم الخارجي بطبيعته مؤقت ومشروط ومرتبط بإعلانات متفرّقة، ولا يشكّل بديلاً عن إيرادات مستدامة. فحين يصل الدعم تُصرف دفعة، وحين يتأخر أو ينضب يعود التوقّف. ولهذا يبقى صرف الرواتب رهيناً بمصادر خارجة عن السيطرة المحلية، وهو ما يفسّر تكرار الأزمة موسمياً وعدم انتظام الصرف.

لماذا تتكرر الأزمة؟

تتكرر أزمة الرواتب لأن أسبابها الجذرية لم تُعالَج. فطالما بقيت الإيرادات أدنى من النفقات، وبقي الانقسام المؤسسي قائماً بين عدن وصنعاء، وبقي الصرف معتمداً على دعم متقطّع، فإن أي تحسّن يظل هشّاً وقابلاً للانتكاس. ومن هنا، تتراوح المرحلة بين توقّف يمتد أشهراً ثم صرف دفعة "نصف راتب" تُعلَن كإنجاز جزئي.

وقد وثّقت وسائل إعلام هذا النمط من التوقف والاستئناف. فقد أوردت قناة الجزيرة في إحدى تغطياتها:

"بدأت السلطات صرف الرواتب المتأخرة لموظفي الدولة بعد توقف دام نحو ثلاثة أشهر، وسط مطالبات بضمان انتظام الصرف مستقبلاً." — الجزيرة

كما يمتد الأثر إلى المتقاعدين والمؤمَّن عليهم، إذ نقلت وكالة الصحافة اليمنية عن مؤسسة التأمينات الاجتماعية ما يوضح طبيعة الصرف الجزئي:

"أكدت مؤسسة التأمينات الاجتماعية بدء صرف نصف راتب لنحو 50 ألف متقاعد مدني، في إطار الإمكانات المتاحة." — وكالة الصحافة اليمنية

هذه الاقتباسات مجتمعةً ترسم صورة لأزمة دورية: توقّف، ثم انتظار، ثم دفعة جزئية تُعلَن وفق ما هو متاح، دون آلية تضمن الانتظام الكامل.

من المتضرّر الأكبر؟

الأثر لا يتوزّع بالتساوي. فالفئات الأكثر تضرراً هي تلك التي تعتمد كلياً على الراتب الحكومي ولا تملك مصادر دخل بديلة، وفي مقدمتها:

  • المتقاعدون والمؤمَّن عليهم: غالباً مسنّون لا قدرة لهم على العمل، ويعتمدون على المعاش وحده.
  • المعلمون والكوادر التعليمية: من أكثر القطاعات تضرراً من الانقطاع الطويل، بما ينعكس على العملية التعليمية.
  • الكوادر الصحية: أطباء وممرضون يقدّمون خدمات حيوية وسط انقطاع رواتبهم.
  • صغار الموظفين: من ذوي الدرجات الدنيا الذين يشكّل الراتب الكامل بالنسبة لهم خط بقاء، فيكون "نصف الراتب" خصماً مباشراً من ضروريات المعيشة.

ويتضاعف الضرر حين يقترن تأخّر الراتب أو تنصيفه بانهيار قيمة العملة وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، فتتآكل القوة الشرائية لما يُصرف فعلاً، ويصبح "نصف الراتب" أقل بكثير من نصف ما كان يكفي قبل سنوات.

الأسئلة الشائعة

لماذا تتأخر رواتب موظفي الدولة في اليمن؟

لأن الإيرادات العامة من النفط والجمارك والضرائب تراجعت بشدة بفعل الحرب والانقسام المؤسسي، فصارت أقل من النفقات الجارية وعلى رأسها فاتورة الأجور، ما يجعل الصرف المنتظم متعذّراً ومرهوناً بتوفّر الموارد أو الدعم الخارجي.

ما المقصود بصرف نصف راتب؟

هو صرف نصف المبلغ المستحق للموظف أو المتقاعد بدلاً من الراتب الكامل، كحل اضطراري يهدف إلى توزيع الموارد المحدودة على أكبر عدد من المستحقين بدلاً من حرمان قسم منهم بالكامل.

منذ متى توقّف صرف الرواتب المنتظم؟

تعطّل الصرف المنتظم لقطاع واسع من الموظفين منذ أواخر عام 2016، تزامناً مع نقل البنك المركزي إلى عدن وما تبعه من انقسام في إدارة المال العام وتوزيع الإيرادات.

ما علاقة نقل البنك المركزي إلى عدن بأزمة الرواتب؟

نقل البنك المركزي أواخر 2016 أنهى الآلية المركزية الموحّدة لتجميع الإيرادات وصرف الرواتب، إذ نشأت إدارة مالية موازية، فتعطّل الصرف المنتظم وتباينت أوضاع الموظفين بحسب مناطقهم وجهة الصرف.

هل الدعم السعودي يغطّي كل الرواتب؟

لا. الدعم الخارجي، ومنه الدعم السعودي، يُسهم في تغطية دفعات محدّدة من الرواتب وفق مبالغ مُعلَنة في مراحل معينة، لكنه مؤقت ولا يشكّل بديلاً عن إيرادات داخلية مستدامة تضمن انتظام الصرف.

من المتضرّر الأكبر من تأخر الرواتب؟

الأكثر تضرراً هم المتقاعدون والمؤمَّن عليهم، والمعلمون، والكوادر الصحية، وصغار الموظفين الذين يعتمدون كلياً على الراتب الحكومي ولا يملكون مصادر دخل بديلة، خصوصاً مع انهيار العملة وارتفاع الأسعار.

هل ستتكرر الأزمة مستقبلاً؟

ما دامت الأسباب الجذرية قائمة، أي عجز الإيرادات عن النفقات والانقسام المؤسسي والاعتماد على دعم متقطّع، يبقى احتمال تكرار التوقف والصرف الجزئي قائماً ما لم تُعالَج تلك الأسباب بشكل مستدام.

اقرأ أيضاً

المصادر

  1. البنك المركزي اليمني
  2. المشاهد نت
  3. وكالة الأناضول
  4. وكالة الصحافة اليمنية

Google Preferences
اخر تحديث: 29 يونيو 2026 الساعة 05:58 صباحاً
شارك الخبر