خسر الاقتصاد اليمني أكثر من 126 مليار دولار خلال عقد من الحرب والانقلاب، لكن المفاجأة الصادمة، بحسب خبراء اقتصاديين، أن أزمة السيولة الحالية ليست بسبب نقص الأموال نفسها. المشكلة تكمن في أن هذه السيولة، رغم وجودها، اختفت من النظام المصرفي الرسمي وفرت إلى ساحات أخرى، مما عطل الدورة النقدية وأبقى الأزمة قائمة.
ويتجاوز حجم الخسائر التراكمية 126 مليار دولار، مع انكماش حاد للناتج المحلي الإجمالي بنسبة 43% بين 2015 و2025، وفق بيانات البنك الدولي ووزارة التخطيط اليمنية. وفي قلب هذه الأزمة الاقتصادية المدمرة، تبرز فجوة عميقة بين البنوك والسوق، حيث تركز جزء كبير من السيولة خارج القنوات المصرفية الرسمية، مما حدّ من فاعلية السياسات النقدية.
قد يعجبك أيضا :
ويرى الخبير الاقتصادي رشيد الآنسي أن "توصيف الأزمة بأنها نقص في النقد ليس دقيقاً بالكامل". ويوضح أن الأوراق النقدية لا تزال متوافرة في الأسواق ويتم تداولها خارج الجهاز المصرفي، في حين تكمن المشكلة الأساسية في عجز البنوك عن استقطاب هذه الأموال وإعادتها إلى الدورة المالية الرسمية.
وأوضح الآنسي أن القيود التنظيمية وآليات العمل التقليدية التي ما زالت تحكم القطاع المصرفي تقلص جاذبية البنوك وتجعلها أقل قدرة على المنافسة مقارنة بشركات الصرافة، التي تقدم خدمات أكثر مرونة وسرعة، مما دفع شريحة واسعة من الأفراد والتجار إلى الابتعاد عن التعامل المصرفي التقليدي.
قد يعجبك أيضا :
من جانبه، يرى الباحث الاقتصادي عبد الحميد المساجدي أن المشكلة "تتجاوز الأدوات الفنية للبنك المركزي إلى بنية مؤسسية أكثر تعقيداً". وتفتقر السلطات النقدية إلى أدوات مالية جاذبة، كما أدى الانقسام النقدي والمؤسسي الذي فرضته الحرب إلى تشظي المنظومة المالية وإضعاف مركزية القرار النقدي.
وبينما استبعد المساجدي وجود تأثير مباشر لممارسات الجماعة الحوثية في الأزمة داخل مناطق الحكومة الشرعية، إلا أنه نبّه إلى وقوع تأثير بنيوي لإقدام الجماعة على خلق اقتصاد موازٍ يعتمد على التعاملات غير المصرفية.
قد يعجبك أيضا :
وتتهم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً الحوثيين بضرب واستهداف الاقتصاد اليمني وموارد الدولة، والاعتداء على موانئ تصدير النفط، مما أدى إلى حرمان السكان من أهم مصادر الإيرادات والمرتبات والخدمات الأساسية.
ويربط الخبير الاقتصادي عبد السلام الأثوري أزمة السيولة بحالة تفكك أوسع طالت مؤسسات الدولة وآليات إدارة الموارد العامة. ويشير إلى أن جزءاً من الأموال المتداولة يتسرب خارج الدورة الاقتصادية الرسمية عبر قنوات غير مصرفية، في حين تتجه مبالغ أخرى نحو المضاربة بالعملات الأجنبية أو التحويل إلى الخارج، الأمر الذي يفاقم اختلالات السوق النقدية.
وطبقاً للأثوري، أدى تراجع دور المؤسسات المالية الرسمية إلى توسع الاقتصاد الموازي، حيث أصبحت شركات الصرافة تستحوذ على جزء كبير من السيولة وتوجهها نحو المضاربة والتحويلات الخارجية.
وعلى الرغم من الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي اليمني خلال الأشهر الماضية، بما في ذلك رفع أسعار الفائدة على الودائع وتشديد الرقابة على شركات الصرافة، فإن المراقبين يرون أن تأثير هذه الإجراءات لا يزال محدوداً ما لم تترافق مع إصلاحات أعمق تعيد الثقة بالقطاع المصرفي وتنشط الدورة النقدية.
ويؤكد الآنسي أن رفع أسعار الفائدة قد لا يحقق النتائج المرجوة؛ لأن البنك المركزي لا يسيطر فعلياً إلا على جزء محدود من الكتلة النقدية، بينما تبقى النسبة الأكبر خارج النظام المصرفي.
ويسعى البنك المركزي إلى إلزام بعض البنوك بتوفير العملات الأجنبية، وضخها في الأسواق لتغطية العجز عن دفع الرواتب، وسط مخاوف من تأثيرات عميقة للنزاعات في المنطقة على الأمن الغذائي في البلاد.
ومع استمرار اختناق السيولة رغم وجود كتل نقدية كبيرة خارج الجهاز المصرفي، تبدو الأزمة أقرب إلى أزمة توزيع وثقة وإدارة مالية منها إلى نقص فعلي في الأموال؛ وهو ما يجعل معالجتها مرهونة بإصلاحات مؤسسية أوسع تتجاوز الأدوات النقدية التقليدية.