ثلاثة أرباع سكان اليمن يعيشون اليوم تحت خط الفقر، وسط انكماش اقتصادي يتوقع أن يستمر العام المقبل، وانخفاض حاد في التمويل الإنساني إلى ما هو أقل من الثلث من الاحتياجات المطلوبة. جاءت هذه الصورة القاتمة في تقرير صادم أصدره البنك الدولي بعنوان "السباحة ضد التيار"، يحذر من اتجاه الاقتصاد اليمني نحو الانهيار تحت وطأة مجموعة من الضغوط.
حيث انكمش إجمالي الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 1.5% خلال عام 2025، ويتوقع البنك الدولي انكماشاً إضافياً بنسبة 0.5% في عام 2026. السبب الرئيسي يعود إلى استمرار تجميد صادرات النفط، النشاط الاقتصادي الضعيف، الطلب المحلي المتدهور، وبيئة الأعمال الهشة مع شح التمويل المحلي.
وأوضح التقرير أن تمويل المساعدات الإنسانية شهد تراجعاً حاداً ومفاجئاً. فالأموال المخصصة لخطة الاستجابة الإنسانية التابعة للأمم المتحدة لم تغطي سوى 28% من الاحتياجات الفعلية خلال العام الجاري، مقارنة بنسبة 56.5% في العام الماضي. هذا التراجع فاقم الضغوط المعيشية على السكان في بلد يعتمد جزء واسع من سكانه بشكل كلي على الدعم الإنساني.
كما تعرضت المالية العامة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً لضغوط متزايدة، حيث تراجعت الإيرادات الحكومية إلى 5.6% فقط من الناتج المحلي الإجمالي. ودفع هذا الانخفاض، الناتج عن تقلص المنح الخارجية وتوقف عائدات النفط، إلى تقليص قدرة الحكومة على تغطية الرواتب والنفقات الأساسية وإعانات الدعم.
على الجانب النقدي، ذكر التقرير أن الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي اليمني ساهمت في استقرار سعر صرف الريال اليمني في مدينة عدن، بدعم من تدفقات خارجية شملت دعماً مالياً سعودياً. ورغم أن هذه الخطوات ساعدت في الحد من التضخم، إلا أن الوضع الاقتصادي يبقى هشاً بسبب ضعف التحويلات والصادرات والمساعدات الخارجية.
وحذر البنك الدولي من أن تصاعد التوترات الإقليمية يزيد الغموض حول مستقبل الاقتصاد اليمني. نظراً لاعتماد البلاد الكبير على الواردات لتوفير السلع الأساسية، فإنها معرضة أكثر لارتفاع الأسعار العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن. هذه التطورات قد تزيد معدلات التضخم وتؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر اليمنية.
وأكدت مديرة مكتب البنك الدولي في اليمن دينا أبو غيدة أن الاقتصاد اليمني لا يزال يواجه تحديات عميقة، مع محدودية هوامش الأمان الضرورية لاستيعاب الصدمات الجديدة. وشددت على أن الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي ودعم الخدمات الأساسية وفرص العمل يتطلب استمرار دعم شركاء التنمية، إلى جانب إحراز تقدم نحو السلام والاستقرار المؤسسي.
وبالمقابل، أشار البنك الدولي إلى أن الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً بدأت اتخاذ خطوات لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، منها إعداد أجندة إصلاح شاملة لعام 2026 وإقرار موازنة عامة تستهدف ضبط أوضاع المالية العامة. لكنه اعتبر أن نجاح هذه الجهود سيظل مرهوناً باستمرار تنفيذ الإصلاحات وتواصل الدعم الدولي.
ويصدر التقرير في وقت يواجه فيه الاقتصاد اليمني واحدة من أسوأ أزماته منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من عقد، مع استمرار الانقسام المالي والنقدي، وتراجع موارد الدولة، واعتماد ملايين اليمنيين على المساعدات الإنسانية لتأمين احتياجاتهم الأساسية.