تشهد مدن يمنية كبرى، مثل صنعاء وعدن، ارتفاعاً صاروخياً في أسعار العقارات والأراضي يقارب 300%، في ظاهرة غامضة تتعارض مع حالة الركود الاقتصادي السائدة، ويربطها خبراء ومراقبون بتدفق أموال مجهولة المصدر وعمليات غسيل الأموال التي تستهدف تحويل السيولة غير المشروعة إلى أصول ثابتة.
وبعيداً عن الصورة النمطية، لم تعد هذه العمليات تقتصر على التهريب عبر الحدود، بل تحولت إلى آليات معقدة تتغلغل في قلب الاقتصاد المحلي، مستفيدة من غياب الرقابة المالية الصارمة وضعف المؤسسات المصرفية وسط استمرار النزاع. وتنشط هذه الشبكات في ظل أنشطة مريبة كتجارة الممنوعات والجبايات غير القانونية واستغلال النفوذ خلال سنوات الحرب.
قد يعجبك أيضا :
آثار مدمرة تلامس حياة كل مواطن:
- إذكاء التضخم الجائر: يؤدي ضخ سيولة كبيرة من أموال غير مشروعة عبر قطاعات مثل العقارات وتجارة التجزئة إلى رفع الأسعار بشكل جنوني، يجعل الحصول على السلع الأساسية حلماً بعيد المنال بالنسبة للمواطن البسيط ذو القدرة الشرائية المحدودة.
- انهيار متسارع للعملة: تسهم المضاربة بالعملات الأجنبية، التي تُستخدم كوسيلة للتغطية، في استنزاف الاحتياطي النقدي وخلق طلب وهمي، يقود إلى تراجع حاد في قيمة الريال اليمني.
- طرد المستثمر الحقيقي: تحتل الأموال المغسولة قطاعات استثمارية سريعة العائد مثل العقارات التجارية، ما يتسبب في تضخم أسعار الأصول ويطرد المستثمرين الشرعيين الذين يعجزون عن منافسة تدفقات "أموال الظل".
وتشمل القنوات الأخرى المستغلة في تمرير هذه الأموال، انتشار سوق الصرافة غير المرخص الذي يعمل خارج نطاق الرقابة، ما يفتح الباب لتحويلات ضخمة بين المحافظات أو إلى الخارج تحت غطاء الحوالات المالية. كما تدخل أموال مجهولة الهوية في بعض عمليات استيراد السلع الأساسية، مما يتيح لمن يتحكم بها المنافسة بأساليب غير نظيفة ويهدد بقاء صغار التجار.
قد يعجبك أيضا :
ويحذر مراقبون من أن غسيل الأموال في اليمن تجاوز كونه جريمة مالية ليصبح تهديداً للنسيج الاقتصادي والاجتماعي برمته، معيداً تعقيد الأزمة المعيشية إلى مستويات خطيرة. وتتجه أصابع الاتهام نحو حاجة ملحة لتفعيل دور وحدة جمع المعلومات المالية، وفرض رقابة صارمة على قطاع الصرافة وربطه بالبنك المركزي، وتعزيز الشفافية في الصفقات الكبرى خاصة بالعقارات والمناقصات.
ويبقى التحذير قائماً: دون إجراءات حاسمة لمحاصرة هذه الأموال، سيبقى الاقتصاد الوطني رهينة دورات متكررة من التضخم والانهيار، حيث تدفع الفئات الأكثر ضعفاً الثمن الأكبر من جوع ومعاناة.