يتعامل اليمنيون بعملتين مختلفتين في القيمة داخل حدود بلدهم الواحد. ففي الوقت الذي يبلغ فيه سعر صرف الدولار الواحد حوالي 524 ريالاً يمنياً في مناطق سيطرة مليشيات الحوثي، يقفز هذا السعر إلى ما بين 1558 و1582 ريالاً للشراء والبيع في مناطق نفوذ الحكومة المعترف بها دولياً. هذه الفجوة الهائلة ليست سوى واحدة من أبرز تجليات الانقسام النقدي الحاد الذي يمزق البلاد منذ قرار نقل مقر البنك المركزي من صنعاء إلى عدن في سبتمبر 2016.
أفرز ذلك القرار واقعاً مؤسسياً غريباً: مصرفان مركزيان يتبنيان سياسات متباينة، واحد في عدن يحظى بالاعتراف الدولي وآخر في صنعاء يسيطر عليه الحوثيون. لم يعد الانقسام سياسياً أو جغرافياً فحسب، بل اخترق قلب المنظومة المالية، وألقى بظلاله الثقيلة على استقرار الريال، حركة التجارة، وأداء القطاع المصرفي برمته.
قد يعجبك أيضا :
وتمضي سياسات الطرفين في اتجاهين متناقضين. فمنذ مطلع 2017، شرعت الحكومة في عدن في سياسة توسع نقدي عبر إصدار أوراق نقدية جديدة لتمويل العجز وسد نفقاتها، ما أدى إلى تقلبات عنيفة في سعر الصرف داخل مناطق سيطرتها، تراوحت بين 800 و1700 ريال للدولار قبل أن تستقر حول المستويات الحالية. ويؤكد المحلل الاقتصادي ذويزن التبعي أن الحوثيين سعوا منذ قرارهم بحظر تداول الأوراق الجديدة في يناير 2020 إلى تقليص المعروض النقدي في مناطقهم، ما منحهم قدرة أكبر على التحكم بسوق المال وأضعف فعالية سياسات بنك عدن.
قد يعجبك أيضا :
وتتسع هوة الانقسام يوماً بعد يوم. ففي الشمال، تنتشر 1122 شركة ومنشأة صرافة، مقابل 366 شركة مرخصة فقط في الجنوب، لتعكس اختلالاً هيكلياً في القنوات المالية. وبدلاً من توحيد الجهود، تتجه مليشيات الحوثي لسك عملات معدنية وإصدار أوراق نقدية مطبوعة محلياً، وصفها بنك عدن بأنها غير قانونية ودعا إلى عدم التعامل بها.
ويرى الخبير الاقتصادي عبدالسلام الأثوري أن هذا الانقسام النقدي والمصرفي يمثل أحد أبرز الأسباب التي عمقت الأزمة الاقتصادية، قائلاً إنه أدى إلى إضعاف إدارة السياسة النقدية وخلق حالة من عدم اليقين، وقسم النظام المالي إلى سوقين منفصلتين. وأضاف أن هذا الواقع انعكس في تراجع قيمة الريال، وتفاقم أزمة السيولة، وارتفاع تكاليف التحويلات والتجارة، وإضعاف ثقة المتعاملين بالقطاع المصرفي.
قد يعجبك أيضا :
ويشير الأثوري إلى أن المستفيدين من هذا الوضع المضطرب ظلوا فئات محدودة من المضاربين، بينما كان المواطن اليمني والاقتصاد الوطني هما الطرف الأكثر تضرراً، نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وانخفاض معدلات الاستثمار. ويخلص الخبراء إلى أن تعافي الاقتصاد واستعادة الاستقرار المالي رهينان بإعادة توحيد البنك المركزي تحت إدارة مهنية محايدة، كخيار وحيد لإنهاء هذه الحرب النقدية المدمرة.