كشفت تقديرات اقتصادية حديثة أن حجم النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي في اليمن بلغ نحو 3.3 تريليون ريال يمني، وهو رقم مرتفع للغاية مقارنة بحجم الاقتصاد، ويعكس حالة الانهيار المالي التي تعيشها البلاد بعد سنوات من الحرب والانقسام.
ووفقاً للخبراء، فإن هذه "الثروة السرية" المخبأة خارج البنوك هي أحد أبرز تجليات أزمة السيولة النقدية التي تعد واحدة من أخطر الأزمات المصرفية في تاريخ اليمن. وتعود جذور الأزمة إلى فجوة هيكلية مهولة، حيث نما الاقتصاد الاسمي بنسبة 264% بين عامي 2017 و2025، بينما لم تتجاوز الزيادة في الكتلة النقدية خارج البنوك 114% في نفس الفترة.
قد يعجبك أيضا :
وأوضحت الباحثة الاقتصادية ميرفت عبدالواسع أن الأزمة تفاقمت بسبب الحرب وانعدام الثقة، مما أدى إلى تراجع الودائع في البنوك بنسبة تتراوح بين 50% و75%، وهروب الأموال نحو شركات الصرافة والقطاع غير المنظم. وقالت: "إن انتقال الأموال إلى شركات ومحال الصرافة، التي أصبحت تستحوذ على جزء كبير من التعاملات المالية والتحويلات، أدى إلى انتقال جانب كبير من الودائع من البنوك إلى القطاع المالي غير المنظم".
واعتبرت عبدالواسع أن شركات الصرافة هي "المستفيد الأكبر" من هذا الوضع، في ظل تزايد الإقبال عليها لتنفيذ التحويلات. وأشارت إلى أن تحويلات المغتربين أصبحت "أهم مصادر النقد الأجنبي"، حيث بلغت ملياري دولار عام 2025، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 2.16 مليار دولار في 2026.
قد يعجبك أيضا :
من جانبه، أرجأ أستاذ الاقتصاد الدكتور محمد قحطان الأزمة إلى الاعتماد التاريخي على إيرادات النفط والغاز التي كانت تمثل أكثر من 70% من إيرادات الموازنة العامة، ونحو 90% من إجمالي الصادرات قبل الحرب. ورأى أن عودة شركة "هنت" النفطية الأمريكية قد تمثل فرصة لاستئناف الإنتاج والتصدير، مما قد يساعد في تخفيف العبء.
في المقابل، حمّل الخبير الاقتصادي ماجد الداعري مسؤولية تفاقم الأزمة للانقسام النقدي ووجود بنكين مركزيين، مشيراً إلى أن مليشيات الحوثي تسيطر على المركز المالي الأكبر وتتحكم في السيولة. وكشف عن مفارقة صادمة، حيث قامت الحكومة بطباعة نحو 5 تريليونات ريال منذ عام 2016، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف الكتلة النقدية التي كانت متداولة منذ عام 1990، ومع ذلك لا تزال أزمة السيولة مستمرة لأن هذه الأموال لم تعد إلى القطاع المصرفي الرسمي.
قد يعجبك أيضا :
وحذر الداعري من أن استمرار الأزمة أدى إلى شلل شبه كامل في الدورة الاقتصادية، وتعطيل معاملات المواطنين اليومية، وإرباك أعمال التجار، وزيادة حدة التضخم، فضلاً عن عجز الحكومة عن صرف رواتب الموظفين بانتظام.