في صدمة جديدة تضرب الاقتصاد اليمني، وصل سعر صرف الدولار الأمريكي إلى 1632 ريال يمني للبيع في عدن اليوم السبت، مسجلاً رقماً قياسياً جديداً يعكس حجم الكارثة الاقتصادية التي يعيشها الشعب اليمني. هذا الرقم المرعب يعني أن المواطن اليمني يحتاج اليوم إلى 8 أضعاف المبلغ الذي كان يحتاجه قبل عقد من الزمان لشراء دولار واحد، في انهيار تاريخي لم تشهده المنطقة من قبل. كل دقيقة تمر دون اتخاذ إجراءات عاجلة تكلف المواطنين اليمنيين جزءاً آخر من قوتهم الشرائية المتآكلة.
أم محمد، ربة منزل من عدن تبلغ من العمر 45 عاماً، تقف أمام محل الصرافة وهي تحمل كيساً من الأوراق النقدية المهترئة، تحاول جاهدة تأمين الدولارات اللازمة لشراء دواء لابنها المريض. "كنت أشتري نفس الدواء بـ 50 ألف ريال قبل سنوات، اليوم أحتاج أكثر من 400 ألف ريال"، تقول وهي تكافح الدموع. الفارق بين سعري الشراء والبيع وصل إلى 15 ريالاً للدولار الواحد، مما يعني أن الصرافات تحقق ربحاً يقارب 1% على كل عملية تحويل، بينما يدفع المواطن الثمن الأغلى. حسام الصراف، الذي يعمل في هذا المجال منذ 15 عاماً، يصف الوضع قائلاً: "لم أشهد في حياتي انهياراً بهذه السرعة والقسوة".
هذا التدهور المستمر ليس وليد اليوم، بل هو نتاج تراكمات كارثية بدأت منذ عام 2014 مع تصاعد الأزمة السياسية وتوقف الصادرات النفطية التي كانت تشكل شريان الحياة للاقتصاد اليمني. المقارنات التاريخية مرعبة: فما يحدث في اليمن اليوم يذكرنا بانهيار الاقتصاد الألماني بعد الحرب العالمية الأولى، عندما احتاج المواطنون إلى عربات لحمل النقود لشراء رغيف خبز واحد. د. عبدالله الاقتصادي، خبير المالية اليمني، يحذر من مستقبل أكثر قتامة: "إذا لم تتخذ إجراءات جذرية خلال الأشهر القادمة، فإننا نتجه نحو وصول الدولار إلى 2500 ريال، مما يعني انهياراً اقتصادياً شاملاً".
التأثير على الحياة اليومية للمواطنين أصبح كابوساً حقيقياً. سالم العامل، مغترب يمني في السعودية يبلغ 28 عاماً، يرسل راتبه الشهري لعائلته في تعز، يشكو من ضياع نصف قيمة أمواله في عمليات التحويل والصرف. العائلات اليمنية تواجه اليوم صعوبة متزايدة في تأمين الأدوية المستوردة، وارتفاعاً جنونياً في أسعار المواد الغذائية الأساسية، بينما تتآكل مدخرات عقود من العمل في غضون أشهر قليلة. أصوات طقطقة آلات الحساب ونبرات التفاوض الحادة تملأ محلات الصرافة، بينما تنتشر رائحة الأوراق النقدية القديمة المتهرئة من كثرة التداول في أجواء مشحونة بالقلق والإحباط.
الأرقام تصرخ بحجم المأساة: الريال اليمني فقد أكثر من 85% من قيمته منذ بداية الأزمة، والمواطن اليمني اليوم كمن يحاول إمساك الماء بيديه العاريتين. المستقبل يبدو قاتماً ما لم تتحرك القوى المحلية والمجتمع الدولي فوراً لوقف هذا النزيف الاقتصادي المدمر. السؤال المحوري الذي يطرح نفسه بقوة: إلى متى سيستمر هذا الانهيار المروع؟ وكم سيتحمل الشعب اليمني أكثر من هذا العذاب الاقتصادي؟