في تطور مذهل يصعب تصديقه وسط الحرب المدمرة التي تعصف باليمن منذ أكثر من عقد، حقق الريال اليمني انتصاراً تاريخياً أمام الدولار الأمريكي بارتفاع قياسي بلغ 4.53% خلال الاثني عشر شهراً الماضية، في مفاجأة صادمة لم يتوقعها أحد. للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، يتراجع الجبار الأمريكي أمام العملة اليمنية المنكوبة، بينما تشهد أسواق الصرافة في عدن تحركات عاجلة تعيد تشكيل المعادلة الاقتصادية في البلاد.
في مشهد يشبه معركة ملحمية بين عملتين، سجل الدولار الأمريكي مساء أمس 1629 ريالاً يمنياً للبيع في العاصمة عدن، مقابل 1620 للشراء، بفارق ضئيل لا يتجاوز 9 ريالات فقط - وهو أضيق فارق يشهده السوق منذ أشهر طويلة. الصراف أحمد الحضرمي، الذي يدير أحد أكبر محلات الصرافة في المدينة، يصف اللحظة: "شاهدت بأم عيني كيف تغيرت وجوه الناس من اليأس إلى بصيص أمل، والدولار ينزل للمرة الأولى منذ زمن طويل". بينما تؤكد البيانات أن العملة الأمريكية انخفضت بنسبة 4.42% على مدار العام، متراجعاً من مستويات قياسية بلغت 249.95 ريالاً في بداية السنة.
خلف هذا الانتصار المؤقت قصة معاناة طويلة بدأت مع اندلاع الحرب عام 2014، عندما بدأ الريال اليمني رحلة سقوط مدوية من 200 ريال للدولار الواحد إلى أرقام فلكية وصلت لـ 1800 ريال في أحلك الفترات. د. عبدالله الشامي، الخبير الاقتصادي المتخصص في الأسواق اليمنية، يوضح الأسباب وراء هذا التحسن المفاجئ: "زيادة التحويلات من المغتربين اليمنيين والمساعدات الدولية، إضافة إلى تحسن نسبي في إنتاج النفط"، مشبهاً الوضع بـ"جمل يصعد الجبل ببطء شديد لكن بثبات وإصرار لا ينكسر".
لكن وراء الأرقام المبشرة تقبع قصص إنسانية مؤثرة تكشف حجم التأثير على الحياة اليومية. أم محمد، ربة بيت من حي كريتر بعدن، تحكي بصوت مرتجف: "أصبحت أستطيع شراء علبة حليب إضافية لطفلي بنفس المبلغ الذي كان يكفي لنصف علبة الشهر الماضي". هذا التحسن النسبي في القوة الشرائية ينعكس إيجابياً على أسعار السلع المستوردة، من الأدوية إلى المواد الغذائية الأساسية. التاجر سالم باعشن يؤكد أن "الأسواق شهدت انتعاشاً محدوداً لكن ملحوظاً، والناس بدأت تتنفس قليلاً"، فيما يحذر الخبراء من مغبة التفاؤل المفرط في ظل استمرار عدم الاستقرار السياسي.
رغم بصيص الأمل هذا، تبقى التحديات الجسام قائمة والمستقبل محفوفاً بالمخاطر. الفارق الشاسع بين أسعار الصرف في مختلف المحافظات اليمنية ما زال يعكس انقسام البلاد وتشتت السياسات النقدية، بينما يرصد المحللون إمكانية حدوث انتكاسة مفاجئة إذا تدهورت الأوضاع السياسية. النصيحة الذهبية التي يجمع عليها الخبراء: تنويع المدخرات وعدم الاحتفاظ بمبالغ كبيرة نقداً، مع مراقبة لصيقة لتطورات السوق. السؤال الكبير الذي يؤرق الجميع: هل سيستمر هذا التحسن المفاجئ، أم أنه مجرد هدنة قصيرة في معركة طويلة ومريرة مع الانهيار الاقتصادي؟