مسار واحد هو محور الحديث السرّي الحالي: في قلب الجهود السلمية المتجددة في اليمن، يركز الخبراء والمحللون على مسار يوصف بأنه الأساس الذي لا يمكن تجاوزه. هذا المسار، الذي يجري الحديث عنه بصورة مكثفة لكنه يُعتبر المدخل الحتمي لأي حل مستدام، هو مسار بناء الثقة.
يشكل هذا المسار المرحلة الأولى والأساسية التي تهدف إلى تخفيف المعاناة الإنسانية وتهيئة البيئة المناسبة لتحول جذري. وتتمثل خطواته العملية في وقف إطلاق النار، وفتح المطارات والموانئ والطرق، وضمان تدفق المساعدات، بالإضافة إلى التوصل إلى تسوية اقتصادية أولية تضمن دفع الرواتب وتحسين الأوضاع المعيشية. نجاحه يحد من التصعيد العسكري ويخلق مناخاً أقل توتراً يسمح للأطراف بالانتقال من منطق الحرب إلى التفاوض.
ولكن التحليل المتعمق يؤكد أن مسار بناء الثقة، على أهميته البالغة، لا يمكن أن يكون بديلاً عن الحل السياسي الشامل. فهو مجرد مدخل للمسار الثاني، وهو مسار العملية السياسية، الذي يُعدّ جوهر السلام الحقيقي. هذا المسار يتناول القضايا العميقة المرتبطة بطبيعة الدولة وشكل النظام السياسي ومستقبل توزيع السلطة والثروة والنفوذ، ضمن مفاوضات تتعلق بمستقبل الكيان السياسي. كما يشمل معالجة الملفات العسكرية والأمنية والاقتصادية وإعادة تعريف العلاقة بين المركزية ولا مركزية.
المسار الثالث الذي يكمل الهيكل هو مسار العملية الانتقالية. يأتي هذا المسار بوصفه المرحلة التنفيذية لما يتم الاتفاق عليه سياسياً، حيث يتم وضع خارطة طريق وآليات تنفيذية محددة لتنفيذ مخرجات التفاهمات، بما يشمل تشكيل سلطات انتقالية وإعادة هيكلة المؤسسات. تبرز أهميته في كونه الجسر العملي بين الاتفاق النظري وبناء واقع جديد، حيث فشلت العديد من اتفاقات السلام عالمياً بسبب غياب آليات تنفيذية واضحة.
ويخلص التحليل إلى أن أي قراءة واقعية للمشهد تقتضي التأكيد على أن الجهود الإقليمية والدولية والأممية تظل مرحباً بها من حيث المبدأ، لكنها ستستمر في الدوران داخل حلقة مفرغة إذا ما استمرت في مقاربة الأزمة بعيداً عن جذورها الحقيقية. وفي مقدمة تلك الجذور، كما يذكر التحليل، تأتي قضية الجنوب وحق شعب الجنوب في التعبير عن تطلعاته السياسية ومستقبله.
إن تجاهل هذه القضايا الجوهرية أو محاولة تأجيلها تحت ضغوط التسويات المرحلية، يحذر التحليل، قد يؤدي فقط إلى إنتاج سلام هش ومؤقت ينهار أمام تعقيدات الواقع. التجارب التاريخية تؤكد أن السلام المستدام لا يتحقق عبر إدارة التوازنات المؤقتة، بل عبر الاعتراف بالقضايا الحقيقية ومعالجتها بصورة عادلة وشاملة.