انفجار جديد في سوق الصرف المصري، حيث يقترب الدولار الأمريكي من 54 جنيه، يأتي وسط هروب مفاجئ لرؤوس الأموال الساخنة بمبلغ 471 مليون دولار في يوم واحد فقط، مما يشكل تهديداً مزدوجاً يتزامن مع تسجيل الاقتصاد غير النفطي لأسرع انكماش منذ يناير 2023.
تصاعدت الضغوط على الجنيه المصري خلال تعاملات الثلاثاء، حيث ارتفعت أسعار العملة الأمريكية في البنوك الرئيسية لتسجل أعلى مستوياتها عند 53.77 جنيه للشراء و53.87 جنيه للبيع لدى بنك الكويت الوطني، بينما حافظت البنوك المحلية الكبيرة مثل الأهلي المصري والتجاري الدولي على أسعار قريبة من هذا المستوى.
هذا الارتفاع ليس حدثاً منفرداً، بل يغذيه نزيف مستمر في أدوات الدين الحكومية، حيث أظهرت بيانات البورصة المصرية صافي بيع بقيمة 471 مليون دولار للمستثمرين العرب والأجانب يوم الاثنين. وهو تحول صادم يأتي بعد شهر أبريل الذي شهد صافي شراء بقيمة 2.3 مليار دولار، مما يعكس تقلبات حادة في سلوك الاستثمار الأجنبي.
ويوازي هذا التخارج الكبير للاستثمارات الأجنبية وضعاً اقتصادياً داخلياً متدهوراً. حيث أظهر مؤشر مديري المشتريات الصادر عن إس آند بي غلوبال انكماش القطاع الخاص غير النفطي خلال أبريل، مع انخفاض المؤشر إلى 46.6 نقطة مقارنة بـ 48 نقطة في مارس، مسجلاً أسرع وتيرة تراجع في ظروف التشغيل منذ بداية عام 2023.
وتشير التقديرات إلى أن هذا الانكماش يعكس تباطؤاً في نمو الاقتصاد المصري إلى نحو 3.9% على أساس سنوي، مما يهدد بداية الربع الثاني من العام. ويأتي التراجع مدفوعاً بارتفاع تكاليف الإنتاج، حيث أفادت نحو 27% من الشركات المشاركة في الدراسة أن التوترات في الشرق الأوسط أدت إلى زيادة أسعار الوقود والمواد الخام، وهو ما أدى إلى تسجيل أسرع زيادة في التكاليف منذ أكثر من 3 سنوات.
وقد حاولت الشركات تمرير هذه الزيادات إلى المستهلكين، مما أدى إلى ارتفاع أسعار البيع بأسرع وتيرة منذ أغسطس 2024، وتراجع الطلب واستمرار انخفاض الأعمال الجديدة للشهر الثالث على التوالي. كما خفضت الشركات مستويات الإنتاج بأعلى وتيرة منذ بداية عام 2023 نتيجة تراجع المبيعات ونقص بعض المواد الأساسية.
ولا يزال الدولار يتحرك عند مستويات مرتفعة تاريخياً منذ اندلاع الحرب في إيران نهاية فبراير الماضي، بعد فترة طويلة من الاستقرار النسبي حول مستوى 47 جنيه. وقد ساهمت تقلبات الأسواق العالمية، إلى جانب خروج الاستثمارات الأجنبية من أدوات الدين المحلية، في زيادة الضغوط على الجنيه المصري وتسارع وتيرة تراجعه.
وتعكس هذه التحركات حساسية الاقتصاد المصري تجاه تدفقات رؤوس الأموال قصيرة الأجل، التي تتأثر سريعاً بالتغيرات الجيوسياسية والمالية العالمية، مما يضع مستقبل التعافي الاقتصادي تحت مجهر التهديدات المتزامنة من الخارج والداخل.