177.6 مليار ريال اختفت من الودائع في البنوك اليمنية خلال شهر واحد فقط. هذا الرقم القادم من تقرير البنك المركزي في عدن لشهر مايو 2025، يكشف مستوى الضغط الواقع على الجهاز المالي، ويعزز مخاوف من انتقال عدوى الأزمة من قطاع الصرافة الهش إلى الدورة الاقتصادية بأكملها.
أزمة السيولة ليست طارئة، بل هي انكشاف متأخر لاختلالات تراكمت على مدى سنوات الحرب، وفق تحليل مستشار مكتب رئاسة الجمهورية للشؤون الاقتصادية، فارس النجار. حيث أدت الحرب ونهب الحوثيين لاستثمارات البنوك إلى إضعاف القطاع المصرفي الرسمي وخلقت فراغًا ملأته شركات الصرافة غير الرسمية بشكل متضخم.
وبحسب تشخيص البنك الدولي، فإن شركات الصرافة تمثل فقط 12–15% من أصول القطاع المصرفي، لكنها تسيطر على 35 – 40% من صافي الأصول الأجنبية لهذا القطاع. هذه التركيبة جعلتها شديدة الحساسية لأي إجراء رقابي.
الإجراءات التصحيحية التي اتخذها البنك المركزي – والتي شملت إنشاء لجنة لتنظيم الواردات وفرض حدود على شراء العملات الأجنبية للأغراض الشخصية وسحب تراخيص بعض محال الصرافة – كشفت هذه الهشاشة القائمة أصلاً. حيث أدت، وفق صندوق النقد الدولي، إلى تحسن واستقرار الريال وخفض التضخم، لكنها سحبت أيضًا مصدر الربحية السهل من بعض الشركات القائمة على المضاربة.
التوقف عن المضاربة لم يكن تعديلاً تشغيلياً بسيطاً، بل كان صدمة ارتدادية لقطاع تضخم بسرعة خلال الحرب دون أن يرتكز على قواعد مصرفية متينة.
الأزمة تتفاعل في بيئة اقتصادية كلية متدهورة. صندوق النقد أكد أن الاقتصاد دخل في ركود عميق بعد توقف صادرات النفط في 2022. وشح النقد الأجنبي وتراجع الاحتياطيات دفعت السلطات إلى إجراءات الاستقرار في 2025 بعد وصول سعر الصرف في سوق عدن إلى 2,905 ريال للدولار في منتصف يوليو 2025.
الخلاصة، وفق التحليل، هي أن الإجراءات التصحيحية كشفت أن جزءاً من قطاع الصرافة كان قائمًا على المضاربة والاستفادة من الفوضى. وأزمة السيولة – المتمثلة أيضًا في انخفاض الائتمان المقدم للقطاع الخاص بنحو 46 مليار ريال وانخفاض النقد المتداول إلى نحو 3.32 تريليون ريال – سرّعت هذا الانكشاف وحولت الهشاشة الكامنة إلى مخاطر أوسع على الاستقرار المالي.
الخطر الحقيقي اليوم، كما يوضح التحليل، لا يكمن فقط في تعثر بعض شركات الصرافة، بل في انتقال العدوى إلى الدورة الاقتصادية ككل، مما قد يحوّل الأزمة من تصحيح قطاعي إلى أزمة استقرار مالي أوسع.
ولذلك، يطرح التحليل حزمة متكاملة من الإجراءات للمعالجة، تتضمن:
- التحول التدريجي نحو المدفوعات الإلكترونية.
- إدخال نظام تسويات فورية بين البنوك وشركات الصرافة.
- تحفيز إعادة الإيداع عبر أدوات غير تقليدية.
- إطلاق برنامج وطني لاستبدال العملة التالفة.
- إعادة هيكلة دور الصرافة.
- إنشاء نظام مدفوعات إلكتروني وطني منخفض التكلفة.
- ربط جزء من التحويلات الخارجية مباشرة بالقنوات المصرفية.