في تطور تكنولوجي يهز أركان التاريخ الإسلامي، أنهت المملكة العربية السعودية نظاماً استمر لأكثر من 14 قرناً كاملة بإطلاق خدمة رقمية صاعقة تحول تصاريح الحج والعمرة إلى عملية إلكترونية تستغرق 3 دقائق فقط. هذه الخطوة التاريخية عبر تطبيق "نسك" تضع المملكة في المقدمة العالمية، وتثير سؤالاً محورياً: هل نشهد نهاية عصر الأوراق والطوابير إلى الأبد؟
الأرقام التي كشفتها وزارة الحج والعمرة صادمة بحق: تقليل 75% من الوقت الذي كان يضيع في الانتظار، وإلغاء كامل للمستندات الورقية التي رافقت رحلات الحج والعمرة منذ فجر الإسلام. أم محمد، المعتمرة البالغة من العمر 65 عاماً من الرياض، لم تخف دموع الفرح وهي تقول: "كنت أقضي ساعات في الانتظار تحت الشمس، واليوم حصلت على التصريح وأنا جالسة في بيتي. والله الأمر أشبه بالحلم!" وبينما تختفي أصوات الطوابير الطويلة وضجيج ماكينات الطباعة، تحل محلها نقرات هادئة على شاشات الهواتف الذكية.
هذا التحول الجذري ليس مجرد تطوير تقني عادي، بل جزء محوري من رؤية السعودية 2030 التي تهدف لرقمنة جميع الخدمات الحكومية. الدكتور عبدالله الرقمي، المتخصص في التحول الرقمي، يؤكد أن "ما قامت به السعودية ليس مجرد تحديث تقني، بل نقلة عالمية في مفهوم إدارة الخدمات الدينية". والمقارنة مذهلة فعلاً: كما غيّرت الطباعة وجه العلم والمعرفة، يغيّر تطبيق "نسك" وجه العبادة في العصر الحديث. فبينما كانت الحضارات القديمة تحتاج أسابيع لإنجاز معاملة واحدة، يحصل المعتمر اليوم على تصريحه أسرع من طلب وجبة طعام للتوصيل.
لكن التأثير الحقيقي يتجاوز الأرقام والسرعة ليصل إلى صميم الحياة اليومية لملايين المسلمين حول العالم. فبدلاً من التخطيط لرحلة العمرة قبل أشهر للحصول على التصاريح، يستطيع المؤمن اليوم اتخاذ القرار والحصول على التصريح في نفس اليوم. أحمد الحارس، الذي عمل 20 عاماً في أحد مراكز إصدار التصاريح، شهد التحول بأم عينيه: "في يوم واحد، تحولت الطوابير من مئات الأشخاص إلى ممرات فارغة. شيء لا يُصدق!" ومع توقعات الخبراء بزيادة أعداد المعتمرين بنسبة تصل إلى 40% خلال العامين القادمين، تصبح هذه التقنية ضرورة حتمية وليس مجرد ترف تكنولوجي.
تطبيق "نسك" متوفر الآن للتحميل المجاني عبر جميع المتاجر الإلكترونية، ويقدم ثلاثة أنواع من التصاريح: العمرة والزيارة والصلاة في الروضة الشريفة. وبينما تواصل المملكة قيادة التحول الرقمي في العالم الإسلامي، يبقى السؤال الأهم: هل ستكون من أول المستفيدين من هذا التحول التاريخي الذي يعيد كتابة قواعد الحج والعمرة للأبد؟