يكشف خبير اقتصادي عن فجوة مذهلة تُخفي سر اختفاء النقود في اليمن: وجود نقود كافية من حيث الرقم لا يعني أنها قادرة على أداء وظيفتها في السوق.
حيث يوضح الباحث وحيد عبد الكريم الفودعي، في دراسة صادرة عن مركز المخا للدراسات الاستراتيجية، أن أزمة السيولة ليست فقط نقصاً في الكتلة النقدية، بل فجوة عميقة بين ما هو محسوب في البيانات وما هو متاح فعلياً للتداول. ويرجع ذلك إلى عوامل مثل تلف جزء من النقد المتداول وعدم إحلاله، مما يؤدي إلى تقليص الكتلة النقدية الحقيقية.
ويظهر تحليل الدراسة مفارقة أساسية: بينما شهد الاقتصاد اليمني توسعاً ملحوظاً من 2017 إلى 2025، لم يواكب النقد المتداول هذا التوسع، بل دخل في تباطؤ. مما يعني اعتماد الاقتصاد على كمية محدودة من النقود لإدارة حجم أكبر من المعاملات، وانعكس ذلك في ارتفاع سرعة دوران النقد إلى مستويات غير طبيعية لتعويض النقص.
ويطرح الفودعي مفهوم "السيولة الفاعلة"، الذي يميز بين الكتلة النقدية المسجلة وتلك القادرة فعلياً على التداول. ويربط الدراسة بين الأزمة وبنية الاقتصاد اليمني الذي يعتمد بشكل شبه كامل على النقد الورقي، مع غياب أنظمة الدفع البديلة وضعف الوساطة المصرفية، مما يضخم أي نقص ويحوله إلى اختناق مباشر في النشاط الاقتصادي.
ويشير التحليل إلى أن النسبة الأكبر من الكتلة النقدية توجد خارج الجهاز المصرفي، مما يحد من قدرة البنك المركزي على التأثير ويجعل السوق أكثر عرضة للاختلالات.
كما تؤكد الدراسة أن أزمة السيولة لا يمكن فصلها عن تراجع الثقة في النظام المصرفي، حيث يؤدي ذلك إلى ميل الأفراد للاحتفاظ بالنقود خارج البنوك (الاكتناز)، مما يقوض السيولة المتاحة داخل السوق ويخلق دوامة مغلقة تعيد إنتاج الأزمة.
أما على المستوى اليومي، فإن تدهور جودة العملة لا يتوقف عند تلف الأوراق النقدية، بل يمتد إلى قلب المعاملات نفسها. حيث تواجه الأوراق التالفة تردداً في قبولها أو تُستبدل ضمنياً، مما يخلق احتكاكاً إضافياً داخل كل عملية تبادل ويتحول إلى عائق فعلي أمام التداول، حيث تتعطل أو تتأخر بعض المعاملات.
وخلصت الدراسة إلى أن إعادة التوازن تتطلب معالجة متزامنة لمجموعة من العوامل المتداخلة، بما يشمل تحسين توزيع السيولة، واستعادة الثقة، وضبط السوق النقدي، وإصلاح الإدارة المالية العامة. مؤكدة أن أي توسع في طباعة النقد يجب أن يتم بحذر لتجنب الضغوط التضخمية.