تضرب أزمة سيولة نقدية خانقة الحياة اليومية للمواطنين في المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية، حيث وصلت المعاناة إلى حد أن محلات الصراف ترفض صرف مبالغ صغيرة مثل 100 ريال سعودي، وفق روايات مواطنين عايشوا الوضع. مريم محمود خالد، أرملة وأم لثلاثة أولاد تقيم في عدن، قالت لوكالة رويترز: "أزمة شح السيولة أضرت بالناس لأن محلات الصراف رغم كثرتها الجميع يرفضون مصارفة للناس حتى 100 ريال سعودي".
وأكد مسؤولون في البنك المركزي اليمني في عدن - طلبا عدم ذكر اسميهما - أن الحكومة المدعومة من السعودية تواجه أسوأ أزمة سيولة للعملة الوطنية وشحاً في الموارد منذ بدء الحرب في 2015. وأوضح المسؤولان أن أسباب الأزمة هي استمرار سلطات محلية في محافظات مثل مأرب وحضرموت والمهرة وتعز في عدم توريد إيراداتها للحكومة، بالإضافة إلى هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر 2022.
تسبب ذلك، بحسب المسؤولين، في أزمة خانقة داخل المالية العامة، وأدى إلى تأخر صرف مرتبات الموظفين لأربعة أشهر، كما تأخر صرف رواتب العسكريين لخمسة أشهر. كما حدّت الأزمة من قدرة الحكومة على توفير الوقود لمحطات توليد الكهرباء في عدن والمحافظات المجاورة.
ولكن البروفيسور محمد قاسم المفلحي، أستاذ الاقتصاد المالي والنقدي في جامعة عدن، يقدم تحليلاً مختلفاً للأزمة، معتبراً أنها "أزمة مفتعلة". وأوضح أن المشكلة تكمن في عدم قدرة الدولة على تحصيل مواردها بكفاءة وامتناع كثير من المؤسسات الحكومية والمحافظات عن توريد الإيرادات للبنك المركزي، فضلاً عن الفساد المتششي. وقال لرويترز أن هناك فائضاً كبيراً في المعروض النقدي وصل إلى أكثر من سبعة تريليونات ريال يمني، لكن هذه العملة المتداولة خارج الجهاز المصرفي تحتفظ بها شركات الصراف والتجار والأفراد بهدف المضاربة.
وتعاني المواطنون بشكل مباشر من آثار هذه الأزمة. محمد عبد الوهاب، الذي يعمل لدى شركة خدمات طبية في عدن، قال أنه أصبح غير قادر على دفع إيجار المنزل دفعة واحدة أو شراء كل احتياجات البيت بسبب عدم القدرة على تغيير العملة، حيث ما هو متاح هو خمسين دولاراً في اليوم فقط.
وتوقعت شبكة الإنذار المبكر للمجاعة التابعة للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في تقييمها أن الفترة من مارس آذار وحتى سبتمبر أيلول القادم ستشهد ضغوطاً تضخمية متزايدة، مما سيدفع المزيد من الأسر نحو تقليص استهلاك الغذاء واللجوء إلى وسائل تكيف قاسية.
وفي محاولة للتخفيف من الأزمة دون اللجوء إلى طباعة النقد - التي قد تؤدي إلى تضخم وتدهور قيمة الريال - لجأ البنك المركزي في عدن الأسبوع الماضي إلى رفع سعر الفائدة على وديعة الادخار بالعملة الوطنية لدى البنوك التجارية إلى 18 بالمئة بدلاً من 15 بالمئة، بهدف تشجيع المواطنين والمودخرين على الاستثمار في البنوك المحلية.