لم يعد الحديث عن نهاية "عقد النقص" في الغاز مجرد نبوءة، بل تحول إلى فعل ملموس يجري على أرض الواقع. ففي يناير 2026، استأنفت مصر تصدير الغاز المسال عبر محطة إدكو بشحنة جديدة حجمها 150 ألف متر مكعب، مُوجهة إلى الموانئ التركية لصالح شركة "شل" العالمية.
هذه الخطوة ليست طارئة، بل تأتي ضمن خطة استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز مركز مصر في خريطة الطاقة العالمية. تعمل وزارة البترول على تشغيل منشآت الإسالة المتطورة في إدكو ودمياط لشرف الالتزامات التعاقدية وتعظيم قيمة هذه الأصول، مما يضمن تدفقات نقدية ويجذب استثمارات أجنبية جديدة في مجال الاستكشاف.
الصورة الأكبر تكشف تحولاً جوهرياً في الهوية. بعد أن حققت مصر الاكتفاء الذاتي من الغاز في 2018، تراجعت معدلات الإنتاج لاحقاً لتصل إلى 4.1 مليار قدم مكعب يومياً، فيما بلغ الاستهلاك المحلي ذروته عند 6.5 مليار قدم مكعب يومياً، مما خلق فجوة واضحة.
الرد الحكومي على هذه الفجوة كان عبر خطة خمسية بقيمة 5.7 مليار دولار، تستهدف حفر 480 بئراً جديداً. الهدف الطموح هو رفع الإنتاج إلى ما بين 6.4 و6.6 مليار قدم مكعب يومياً، مما سيعيد توجيه كميات أكبر من الغاز لتغذية السوق المحلي أولاً.
هذا التوازن الدقيق هو جوهر التحول الاستراتيجي. تقوم السياسة الجديدة على نموذج "المحور التكريري" الذي يجمع بين تلبية الاحتياجات الداخلية والتصدير للخارج، على غرار نماذج ناجحة في الهند والصين. وهو ما يفسر تراجع واردات مصر من الغاز المسال بنسبة 50% في يناير 2026 لتصل إلى 6-7 شحنات فقط.
المحصلة النهائية هي مشهد جديد بالكامل. مصر لم تعد دولة مستجدة للغاز تعاني من النقص، بل أصبحت تلعب دور المانح والمحور الإقليمي في آن واحد. فهي تستخدم بنيتها التحتية المتطورة لإسالة وتصدير الغاز، بينما تعمل في الخلفية على ضخ استثمارات ضخمة لضمان استدامة القطاع وتعزيز أمنها الطاقي، محوّنة صفحة العقد الماضي نحو مستقبل أكثر استقراراً وتأثيراً.