كشف باحث سياسي بارز عن ازدواجية صارخة في السياسة السعودية تجاه الصراع اليمني، حيث تطبق الرياض ما أسماه "المعادلة الصفرية والأرض المحروقة" ضد الجنوب بينما تمتنع عن استخدام النهج ذاته مع جماعة الحوثي المدعومة إيرانياً.
صالح أبو عوذل، رئيس مؤسسة اليوم الثامن للإعلام والدراسات، أرجع هذا التباين إلى اعتبارات مذهبية واجتماعية داخل المملكة أكثر من ارتباطها بالتهديد العسكري الذي تشكله الصواريخ المرتبطة بإيران، في تحليل يكشف أبعاداً خفية للاستراتيجية السعودية.
آلاف المتظاهرين الجنوبيين خرجوا في العاشر من يناير بعدن في مشهد عكس حجم الغضب الشعبي من التحولات الأخيرة، حسبما أوضح أبو عوذل في قراءته التحليلية، مشيراً إلى أن الجماهير خاطبت "الدول الشقيقة والصديقة التي تحترم إرادة الشعوب" في إشارة واضحة للرياض.
وصف الباحث ما يحدث بأنه ليس مجرد خلاف سياسي عابر، بل "مساس مباشر بحق تقرير المصير"، مستحضراً مقارنات إقليمية مع معارضين إيرانيين يواجهون نظام ولاية الفقيه منذ عقود، معتبراً أن الصراع في جوهره بين الشعوب والأنظمة وليس بين الهويات القومية.
الجذور التاريخية للمقاومة الجنوبية تفسر استمرار الصمود رغم الضغوط، حسب أبو عوذل الذي أشار إلى أن المجتمعات الجنوبية تمتلك "قدرة عالية على الصمود والتكيف" رغم الفقر التاريخي، مستشهداً بتجارب معيشية في ريف أبين وشبوة وعدن.
في قراءة تاريخية، ذكّر الباحث بأن الاستعانة بقوى خارجية ليست جديدة في اليمن، مستحضراً سيف بن ذي يزن الذي استعان بالفرس لطرد الأحباش، وتجربة جمال عبد الناصر، لكنه شدد على أن المشكلة في "تحول التحالف إلى هيمنة دائمة على القرار الوطني".
السؤال المحوري الذي طرحه أبو عوذل: "هل تختلف سياسة الرياض تجاه الشعوب عن سياسة طهران عندما يتعلق الأمر بالحروب بالوكالة؟"، منتقداً تقديم السردية السعودية للجنوبيين كامتداد للحوثيين أو لإيران، رغم أنهم كانوا حديثاً شركاء في تحالف تقوده الرياض.
جذور التحفظ السعودي مع الحوثيين تعود لتصريحات محمد بن سلمان في مايو 2017 حول التدخل لحماية "قبلة المسلمين" ومنع نقل الحرب للداخل السعودي، رغم اعترافه بقدرة الجيش السعودي على الحسم العسكري.
أوضح أبو عوذل أن "العائق الحقيقي أمام الحسم لم يكن عسكرياً بقدر ما كان اجتماعياً ومذهبياً" بسبب الترابط المذهبي بين شمال اليمن وجنوب السعودية، مما دفع الرياض للبحث عن تسويات مع الحوثيين بدلاً من التصعيد المفتوح.
اتفاقية ظهران الجنوب 2016 مثلت محاولة لتخفيف الاحتكاك المباشر عبر سحب القوات السعودية من الحدود واستبدالها بقوات جنوبية، لتقليل الكلفة الاجتماعية للحرب داخل المملكة.
انتقد الباحث استخدام الخطاب الديني في تبرير العمليات ضد الجنوب، مشيراً إلى أن الفتاوى الدينية "لم تُستخدم في مواجهة الحوثيين الذين انقلبوا على هادي، لكنها استُخدمت في الصراع مع الجنوب"، عاكساً خشية سعودية من تفجير صراع مذهبي داخلي.
في ملف التسوية مع الحوثيين، أوضح أن الرياض تستخدم ما جرى في الجنوب كرسالة ضغط على الحوثيين للقبول باتفاقات السلام، بينما شروط الحوثيين المتعلقة بموارد حضرموت وإعادة الإعمار فُرضت بفعل موازين القوة التي صنعتها إيران وحلفاؤها.
وختم أبو عوذل تحليله بالتأكيد أن "القضايا الوطنية لا تُحسم في غرف التفاوض وحدها، بل في قدرة الشعوب على حماية حقها السياسي"، محذراً من أن أي ترتيبات تتجاوز الإرادة الشعبية "قد تؤجل الصراع لكنها لن تنهيه" لأن الشعوب "قد تُهزم في معركة، لكنها لا تُهزم في التاريخ حين تدرك أن معركتها مع منطق الهيمنة ذاته".