ثمانية عشر شهراً فحسب تفصل المملكة عن إنهاء تقليد امتد لخمسة عقود كاملة. هكذا حسمت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية مصير التعاملات النقدية مع العمالة المنزلية، في قرار جذري يجبر مئات الآلاف من أرباب العمل على التحول الكامل للمنصات الرقمية دون استثناء.
منذ الأول من يناير 2026، ستصبح منصة "مساند" البوابة الوحيدة القانونية لتحويل الرواتب إلكترونياً، مُنهية بذلك حقبة طويلة من التسليم المباشر للأوراق النقدية التي ورثتها الأجيال.
تعبر فاطمة، وهي عاملة منزلية من إندونيسيا، عن ارتياحها الشديد قائلة: "أخيراً سأضمن وصول راتبي كاملاً في موعده دون نقصان أو تأخير". هذا الشعور بالأمان المالي سيطال أكثر من 300 ألف عامل منزلي عبر المملكة، في تطبيق مرحلي بدأ فعلياً في يوليو 2025 مع العمالة الجديدة.
النقلة الحضارية جاءت كثمرة مباشرة لرؤية 2030 التي تستهدف خفض المعاملات النقدية بنسبة 70% في القطاعات الحيوية. يشبه د. محمد الخضيري، المتخصص في التحول الرقمي، هذا التطور بـ"ثورة الصرافات الآلية في الثمانينات التي غيرت وجه التعاملات البنكية".
غير أن الواقع الجديد يثير مخاوف لدى شريحة من أرباب العمل، خاصة كبار السن. تصف أم سعد من الرياض قلقها قائلة: "كنت أعطي راتب العاملة نقداً بكل بساطة، الآن سأحتاج لتعلم التطبيق"، بينما يطمئنها أحمد العتيبي بتجربته الشخصية: "في البداية شعرت بنفس القلق، لكن التطبيق أسهل من الواتساب".
المراحل الأربع للتطبيق تتقدم بانضباط عسكري، حيث شملت المرحلة الأولى العمالة المستقدمة حديثاً، فيما تنتظر المراحل التالية لتشمل الجميع حتى الموعد النهائي المحدد بلا رجعة.
وبينما تتطلع المملكة لجني ثمار هذا التحول من خلال تقليل النزاعات المالية وضمان الشفافية، يحذر الخبراء من ضرورة الإسراع في التأهيل والتدريب. العد التنازلي بدأ فعلاً، والسؤال المحوري: هل تمكن أرباب العمل من مواكبة هذه النقلة الجذرية قبل انقضاء المهلة المحددة؟