في تطور صادم يهز الأسس الاقتصادية لليمن، كشفت بيانات الأحد 30 نوفمبر 2025 عن فجوة سعرية مروعة تتجاوز 200% بين أسعار الدولار في شمال البلاد وجنوبها، حيث وصل سعر الدولار إلى 1,629 ريال في عدن مقابل 535 ريال فقط في صنعاء. هذا الانقسام النقدي المدمر يعني أن نفس العملة الأمريكية تحمل ثلاث قيم مختلفة في بلد واحد - ظاهرة لم يشهدها العالم الحديث من قبل. الخبراء يحذرون: كل دقيقة تأخير في التصرف قد تعني خسارة المزيد من القوة الشرائية لمدخرات الملايين.
منذ فجر أمس، استيقظ اليمنيون على صدمة اقتصادية جديدة عندما اكتشفوا أن المبلغ نفسه يمكن أن يشتري لهم ثلاثة أضعاف السلع حسب المنطقة التي يعيشون فيها. أحمد المحمدي، موظف حكومي من تعز، يصف حالة الذهول التي أصابته: "راتبي الشهري 50,000 ريال لا يكفي الآن لشراء احتياجات أسبوع واحد، بينما زميلي في صنعاء يشتري بنفس المبلغ احتياجات شهر كامل". الأرقام تكشف عن مأساة حقيقية: 1,094 ريال هو الفارق الصاعق بين سعر الدولار في المنطقتين، بينما سجل معدل التضخم السنوي 35% يلتهم ما تبقى من مدخرات المواطنين. كما يؤكد خبير اقتصادي بارز: "هذا ليس مجرد تقلب في أسعار الصرف، بل انهيار منظومي كامل للعملة الوطنية".
منذ انقسام البلاد عام 2015، بدأ البنك المركزي ينقسم أيضاً، مما أدى لظهور سياستين نقديتين متضادتين تماماً. غياب التنسيق بين البنك المركزي في عدن ونظيره في صنعاء، إلى جانب فرض قيود صارمة على تداول العملات الأجنبية في الشمال، خلق هذه الفوضى النقدية التي تذكرنا بأزمة الليرة التركية عام 2018، لكن الوضع اليمني أسوأ بمراحل لأنه يجمع بين الحرب والانقسام والعقوبات الاقتصادية. د. فيصل الهيثمي، خبير النقد الدولي، يحذر بوضوح: "إذا استمر هذا الوضع، فسنشهد انقساماً نقدياً نهائياً قد يستمر لعقود، وهو ما سيحول اليمن إلى أول دولة في التاريخ الحديث بعملتين رسميتين". هذا السيناريو المرعب يعني أن العملة اليمنية التي فقدت بالفعل 80% من قيمتها قد تنقسم نهائياً.
على أرض الواقع، تواجه العائلات اليمنية معضلة يومية مؤلمة: كيف تشتري الطعام براتب فقد 80% من قيمته خلال سنوات قليلة؟ فاطمة العولقي، ربة منزل من صنعاء، تروي بحسرة: "المبلغ الذي أشتري به كيلو لحم اليوم كان يكفي لشراء خروف كامل قبل 5 سنوات". ربة البيت اليمنية تحتاج الآن لآلة حاسبة قبل الذهاب للسوق، والطفل الذي يشتري قلماً رصاص يدفع ما كان يكفي لشراء دفتر كامل. التوقعات تشير إلى أن المزيد من الشركات ستعلن إفلاسها في الأسابيع القادمة، بينما ترتفع معدلات الهجرة بحثاً عن فرص اقتصادية أفضل. في الوقت نفسه، يجد المستثمرون الجريئون فرصاً ذهبية لشراء أصول يمنية تُباع بأسعار تحت التكلفة بكثير.
بينما تلوم الحكومة في عدن السياسات النقدية في صنعاء، ويتهم أنصار الله البنك المركزي في عدن بتدمير العملة عمداً، يبقى السؤال المصيري معلقاً: هل سيشهد العالم ولادة أول دولة في التاريخ الحديث بعملتين رسميتين؟ أم أن الحل العاجل سيأتي قبل الانهيار الكامل؟ الطريق أمام اليمن محفوف بالمخاطر، فإما الوحدة النقدية التي تنقذ ما تبقى من الاقتصاد، أو الانقسام النهائي الذي سيدفع ثمنه الملايين من اليمنيين بمستقبلهم ومستقبل أجيالهم القادمة. الوقت ينفد، والحلول العاجلة باتت ضرورة وجود وليس مجرد خيار سياسي.