في مشهد يحبس الأنفاس ويكشف عمق المأساة اليمنية، كسر سعر الدولار حاجز الـ1600 ريال في عدن ليصل إلى 1632 ريالاً، بينما لا يتجاوز 535 ريالاً في صنعاء - فارق صادم يبلغ 1097 ريالاً للدولار الواحد! هذا يعني أن المواطن اليمني يخسر أو يكسب أكثر من ألف ريال حسب المدينة التي يقيم فيها، في انقسام اقتصادي غير مسبوق يحول بلداً واحداً إلى اقتصادين منفصلين تماماً.
أحمد المحمدي، موظف حكومي في عدن، يروي مأساته بصوت مختنق: "راتبي 100 دولار، لكنني أحصل على 163,200 ريال بينما زميلي في صنعاء يحصل على نفس الراتب بـ53,500 ريال فقط!" هذا الفارق الجنوني البالغ 205% يعني أن تكلفة المعيشة في عدن تزيد ثلاثة أضعاف عن صنعاء بنفس الدخل. في أسواق الصرافة، تتصاعد أصوات التجار وهم يعدون أكوام الأوراق النقدية المهترئة، بينما تتشكل طوابير طويلة من المواطنين الذين يحاولون فهم قيمة أموالهم الحقيقية.
هذا الانقسام المدمر ليس وليد اليوم، بل نتيجة سنوات من الحرب وانقسام السيطرة على البنك المركزي اليمني منذ 2014. د. محمد الحضرمي، الخبير الاقتصادي، يحذر قائلاً: "هذا ليس اقتصاداً بل كارثة إنسانية حقيقية. نحن نشهد تكريساً لانقسام اقتصادي يشبه ما حدث بين ألمانيا الشرقية والغربية، لكن بشكل أكثر تدميراً." السيطرة المتباينة على الموارد والموانئ والسياسات النقدية المتضاربة حولت اليمن إلى دولتين اقتصادياً، حيث يعيش المواطنون كأنهم يشترون نفس السلعة من محلين متجاورين بأسعار مختلفة جذرياً.
المعاناة اليومية للمواطنين تتجاوز مجرد الأرقام، فسالم العدني يصف الواقع المرير: "نعيش في جحيم اقتصادي حقيقي، الأسعار ترتفع كل يوم ونحن عاجزون عن التخطيط لأي شيء." هذا التدهور يهدد بانهيار اقتصادي شامل قد يحول البلاد إلى اقتصاد المقايضة، بينما تستفيد فئة محدودة مثل فاطمة الزهراني التي تحقق أرباحاً استثنائية من استغلال فروق الأسعار. الخطر الأكبر يكمن في استحالة التنقل للعمل والتجارة بين المناطق، مما يعمق الانقسام ويجعل إعادة توحيد البلاد أكثر صعوبة.
مع استمرار هذا النزيف الاقتصادي المدمر، يبقى السؤال الأهم معلقاً في الهواء: كم من الوقت يمكن لشعب أن يصمد أمام انهيار عملته في بلده الواحد؟ الحل يتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً لتوحيد السياسة النقدية وإنقاذ ما تبقى من الاقتصاد اليمني، قبل أن يصبح الانقسام نهائياً ولا رجعة فيه. الوقت ينفد، والشعب اليمني يدفع الثمن من جيوبه ومستقبله كل يوم.