الرئيسية / شؤون محلية / 90% توفير في التكاليف و96% اختصار في الوقت: كيف يحول منفذ الطوال-حرض معاناة 3 أيام سفر إلى رحلة 3 ساعات؟
90% توفير في التكاليف و96% اختصار في الوقت: كيف يحول منفذ الطوال-حرض معاناة 3 أيام سفر إلى رحلة 3 ساعات؟

90% توفير في التكاليف و96% اختصار في الوقت: كيف يحول منفذ الطوال-حرض معاناة 3 أيام سفر إلى رحلة 3 ساعات؟

نشر: verified icon أمجد الحبيشي 30 أغسطس 2025 الساعة 01:50 صباحاً

بينما يستغرق مازن عبدالله أربعة أيام شاقة لعبور المساحات الصحراوية الطويلة للوصول إلى منفذ الوديعة البعيد، كان بإمكانه قبل الحرب أن يصل إلى منزله في محافظة الحديدة خلال ثلاث ساعات فقط عبر منفذ الطوال في حرض. هذا التحول الدراماتيكي من رحلة مريحة تستغرق ساعات قليلة إلى رحلة شاقة تمتد لأيام، يجسد المأساة الإنسانية والاقتصادية التي خلفها إغلاق أكبر منفذ بري يربط بين اليمن والمملكة العربية السعودية منذ منتصف 2015.

محنة إنسانية تتجدد يومياً: عندما تصبح العودة للوطن كابوساً

تحولت حياة مئات الآلاف من اليمنيين إلى معاناة حقيقية بسبب إغلاق منفذ الطوال. مازن عبدالله، المغترب الذي يعمل في مزرعة بمنطقة جيزان مقابل ألفي ريال شهرياً، لم يستطع زيارة أسرته سوى مرتين منذ بداية الحرب، آخرها منذ ثلاثة أعوام. الطريق البديل عبر منفذ الوديعة يتطلب سفراً لأربعة أيام عبر مساحات صحراوية، مع مواجهة إجراءات تعسفية في النقاط الأمنية، وتكاليف باهظة تتجاوز قدرة عامل بسيط على تحملها.

محمد ناجي الحرضي يواجه مأساة مماثلة، فقد انقطع عن زيارة عمه في مدينة صبيا السعودية منذ ثماني سنوات، بعد أن كانت هذه الزيارات العائلية جزءاً من حياته الطبيعية. هذا الانقطاع ليس مجرد إزعاج لوجستي، بل تمزيق لنسيج اجتماعي وثقافي عميق يربط بين العائلات عبر الحدود. الأرقام تكشف حجم الكارثة: ما كان يستغرق 3 ساعات ويكلف مبلغاً رمزياً، أصبح يتطلب 3-4 أيام ويكلف عشرة أضعاف المبلغ السابق، مما يعني توفيراً محتملاً يصل إلى 90% في التكاليف و96% في الوقت عند إعادة فتح المنفذ.

انهيار اقتصادي متعدد الأبعاد: من شريان حيوي إلى طريق مسدود

لم تقتصر كارثة إغلاق منفذ الطوال على الجانب الإنساني، بل امتدت لتشمل انهياراً اقتصادياً شاملاً. كان المنفذ يمرر 85% من الصادرات الزراعية اليمنية و60 شاحنة يومياً من الأسماك إلى الأسواق السعودية. المزارع شوعي أحمد أدبع، الذي يملك مزارع جوافة وموز ومانجو في منطقة الربوع، كان يحقق من تصدير فواكهه دخلاً يكفيه طوال العام، أما الآن فهو مجبر على بيعها في السوق المحلي بأسعار منخفضة تؤدي أحياناً للخسارة بسبب زيادة العرض وكساد السوق.

محمد سالم نجري، مالك قوارب الصيد في مديرية الصليف، يحكي كيف تحولت أجود أنواع الأسماك التي كانت تُصدر يومياً للأسواق السعودية، إلى بضاعة تُباع بثمن زهيد في الأسواق المحلية لا يغطي حتى أجور العمال وقيمة الديزل. هذا التدهور لم يؤثر فقط على أصحاب الأعمال، بل على آلاف العائلات التي تعتمد على هذه القطاعات، مما خلق موجة نزوح واسعة شملت أكثر من 4.2 مليون شخص منذ بداية الحرب.

تحولت مدينة حرض من "المدينة التي لا تنام" وعنوان النشاط الاقتصادي في اليمن، إلى مدينة أشباح. سليمان عبده، الموظف السابق في مصلحة الجمارك بحرض، والذي يعيش الآن نازحاً في الصليف منذ ثماني سنوات، يجسد هذا التحول المأساوي. من موظف مستقر يتمتع بحياة كريمة، أصبح يبيع "المخلوطة والشيبس" نهاراً ويساعد سائقي الشاحنات ليلاً مقابل مبلغ زهيد لا يكفي احتياجات أسرته المكونة من 10 أفراد.

الطوال: البوابة الاستراتيجية للتعافي الاقتصادي والاجتماعي

إعادة فتح منفذ الطوال ليست مجرد إعادة تشغيل لمعبر حدودي، بل إعادة إحياء لشريان حيوي يربط بين شعبين شقيقين ويعيد تفعيل دورة اقتصادية واجتماعية متكاملة. الموقع الاستراتيجي للمنفذ في مديرية حرض شمال غرب محافظة حجة، يجعله البوابة الطبيعية والأكثر كفاءة لربط المنطقة التهامية الغنية بمواردها الزراعية والسمكية مع الأسواق السعودية الواسعة.

التأثير الإيجابي لإعادة الفتح سيكون فورياً ومتعدد الأبعاد. بالنسبة للمغتربين أمثال مازن عبدالله، سيعني العودة إلى زيارة عائلاتهم بانتظام دون تحمل مشاق السفر الطويل والتكاليف الباهظة. للمزارعين مثل شوعي أدبع، سيعني استعادة أسواقهم المربحة وتحويل الخسائر إلى أرباح مستدامة. للصيادين مثل محمد نجري، سيعني عودة تصدير الأسماك الطازجة بأسعار عادلة تضمن استمرارية الأعمال وتوفير فرص العمل.

الأهمية الاستراتيجية للمنفذ تكمن في كونه ليس مجرد معبر للبضائع والأشخاص، بل جسر ثقافي واجتماعي يعزز الروابط التاريخية بين المجتمعات على جانبي الحدود. العائلات التي تمتد عبر الحدود، مثل عائلة محمد الحرضي وعمه في صبيا، ستستعيد قدرتها على الحفاظ على روابطها العائلية والاجتماعية، مما يساهم في تعزيز النسيج الاجتماعي والثقافي المشترك.

رؤية مستقبلية: من منفذ للعبور إلى محور للتنمية الإقليمية

إعادة فتح منفذ الطوال تحمل إمكانيات هائلة لتجاوز الوظيفة التقليدية كمعبر حدودي، لتصبح محوراً لتنمية إقليمية شاملة. الموقع الاستراتيجي للمنفذ يتيح فرصاً استثمارية في قطاعات متعددة، من المناطق اللوجستية والتجارية إلى مشاريع الزراعة والصناعات الغذائية التي تستفيد من القرب من الأسواق السعودية.

التكامل الاقتصادي المحتمل يمتد إلى قطاعات حيوية أخرى. القطاع السمكي اليمني، الذي يتمتع بموارد بحرية غنية، يمكن أن يجد في الأسواق السعودية شريكاً مثالياً لتطوير صناعة صيد وتصنيع سمكي متقدمة. القطاع الزراعي، خاصة في المناطق التهامية الخصبة، يمكن أن يستفيد من تطوير سلاسل توريد حديثة تربط المزارعين اليمنيين مباشرة بالمستهلكين السعوديين.

البعد الاجتماعي للتنمية لا يقل أهمية، حيث يمكن للمنفذ أن يصبح نقطة التقاء لبرامج التبادل الثقافي والتعليمي والطبي. الخبرات السعودية في مجال الصحة والتعليم يمكن أن تتدفق بسهولة أكبر لخدمة المجتمعات اليمنية، بينما يمكن للتراث الثقافي اليمني الغني أن يجد منصة أوسع للتفاعل والتبادل.

الجدوى الأمنية والاقتصادية: استثمار في الاستقرار الإقليمي

المخاوف الأمنية المشروعة حول إعادة فتح المنفذ يمكن معالجتها من خلال تطبيق معايير أمنية متقدمة دون التضحية بالفوائد الإنسانية والاقتصادية. التقنيات الحديثة في أمن الحدود، من أنظمة المراقبة المتطورة إلى تقنيات التفتيش الذكي، تتيح تحقيق أعلى مستويات الأمان مع الحفاظ على سلاسة الحركة.

التجربة الدولية تظهر أن المنافذ الحدودية المدارة بكفاءة تساهم في تعزيز الأمن الإقليمي من خلال تحفيز النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي. المجتمعات التي تتمتع بفرص اقتصادية جيدة أقل عرضة للتطرف والعنف، مما يعني أن إعادة فتح المنفذ استثمار طويل الأمد في الاستقرار الإقليمي.

الفوائد الاقتصادية المتبادلة تخلق مصالح مشتركة قوية في الحفاظ على الأمن والاستقرار. عندما تصبح مئات الآلاف من العائلات على جانبي الحدود مستفيدة من النشاط الاقتصادي المرتبط بالمنفذ، فإن ذلك يخلق قاعدة شعبية واسعة مؤيدة للسلام والاستقرار، وهو أقوى ضمان أمني يمكن تحقيقه.

الاستثمار في إعادة فتح منفذ الطوال ليس مجرد قرار اقتصادي أو إنساني، بل خطوة استراتيجية نحو بناء مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً للمنطقة بأكملها، حيث يتحول الحد الحدودي من خط فصل إلى جسر تواصل وتعاون.

اخر تحديث: 30 أغسطس 2025 الساعة 04:30 صباحاً
شارك الخبر