تكمن المفارقة المذهلة في قلب الأزمة: آلاف المليارات من الريالات مُكدسة في مخازن شركات الصرافة، بينما يحصل المواطن العادي في البنك على 80 ألف ريال فقط يومياً، وهو مبلغ لا يكفي لشراء المواد الأساسية لأسرة. يكشف الخبير الاقتصادي عبد السلام الأثوري السبب: "الأزمة ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة."
مع اقتراب نهاية الشهر، يخشى الموظفون في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم، بسبب العجز عن صرف رواتبهم. وتعد أزمة السيولة التي تعيشها هذه المناطق منذ أشهر أزمة أوراق نقدية، حيث تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء وتحدد سحباً يومياً بالمبلغ المذكور.
وأوضح الأثوري تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي، مما خلق قنوات مالية موازية. كما أبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.
وحسب مسؤولين في البنك المركزي نقلت رويترز عنهم، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر 2022، فضلاً عن عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة.
يصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ مما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.
وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم.
ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي.
وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سل chains الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع. ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية.
قد يعجبك أيضا :
كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد.