أعلنت الهيئة العامة للآثار والمتاحف في صنعاء، أمس الاثنين، إغلاق المتحف الوطني ومتحف الموروث الشعبي نتيجة عجزها المزعوم عن تسديد فواتير الكهرباء، في تناقض صارخ مع إضاءة الحوثيين لمقابر قتلاهم على مدار الساعة واستهلاك كميات ضخمة من الكهرباء في احتفالاتهم الطائفية.
وأثار القرار موجة غضب واسعة بين النشطاء والمثقفين، الذين أشاروا إلى أن الجماعة التي تستطيع إضاءة آلاف المقابر المستحدثة والشوارع خلال فعالياتها الطائفية، تعجز فجأة عن تسديد فواتير كهرباء متحفين يحتفظان بذاكرة الحضارة اليمنية.
وقالت الهيئة في بيان مقتضب على صفحتها بفيسبوك: "نعلن إغلاق كلٍّ من المتحف الوطني ومتحف الموروث الشعبي، بسبب عجزنا عن سداد النفقات التشغيلية اللازمة، بما في ذلك أجور الموظفين وفواتير الكهرباء"، مضيفة اعتذارها للمواطنين والزوار دون تحديد موعد لإعادة الفتح.
غير أن هذه المبررات تبدو متناقضة تماماً مع الواقع المعيش في شوارع صنعاء، حيث تشهد العاصمة إضاءات ضخمة ولافتات فخمة ضمن التحضيرات المكثفة للاحتفال الطائفي بالمولد النبوي، الذي حولته المليشيا إلى موسم سنوي للجبايات والنهب.
وأكد نشطاء أن كميات المشتقات النفطية التي تستهلكها المليشيا في سيرها لآلاف السيارات خلال فعالياتها الليلية، تكفي لإضاءة المتحف الوطني وتشغيله لعام كامل، فضلاً عن دفع رواتب جميع موظفيه. كما لفتوا إلى أن المقابر التي استحدثتها الجماعة خلال السنوات الماضية تضاء بالكهرباء مجاناً طوال الليل، في حين تُغلق أبواب المتحف الذي يحتفظ بتاريخ النضال الوطني اليمني.
ويحتوي المتحف الوطني على آلاف القطع الأثرية النادرة من حضارات اليمن القديمة مثل سبأ وحِمْيَر والعصور الإسلامية، بينما يزخر متحف الموروث الشعبي بمقتنيات فنية وحرفية تراثية توثق العادات والتقاليد وأعراف المجتمعات المحلية، مما يجعل إغلاقهما خسارة ثقافية ووطنية كبيرة.
وربطت مصادر ثقافية في صنعاء إغلاق المتحف بعمليات الإفراغ الممنهج للمؤسسات التراثية وفصل موظفيها وتغييب دورها، تمهيداً للاستحواذ عليها بالكامل. وحذرت هذه المصادر من قيام مليشيا الحوثي بمصادرة المقتنيات الوطنية والمتاجرة بها، أو إعادة توظيفها بما يخدم أيديولوجيتها الطائفية.
وأشار موظفون في قطاع الآثار والثقافة إلى أن إغلاق مؤسسات ثقافية بهذا الحجم يُعدّ ضربًا مباشراً للهوية الوطنية والتراث اليمني، مطالبين بإعادة فتحها بعيداً عن الحسابات السياسية والطائفية. كما أكدوا أن مزاعم المليشيا حول غياب النفقات التشغيلية ليست سوى ذرائع واهية تهدف إلى تغييب كل ما له علاقة بالنضال الوطني والتراث اليمني.
ويأتي هذا الإغلاق في وقت تعوّل الأوساط الثقافية والاقتصادية على تفعيل قطاع المتاحف كرافد سياحي وتنموي، وسط دعوات محلية ودولية لإنقاذ المؤسسات التراثية باعتبارها جزءاً من الهوية الوطنية ومصدراً محتملاً لتعزيز الاقتصاد المحلي.
ويُنظر إلى هذا الإغلاق كجزء من التدهور المتسارع في القطاع الثقافي، حيث تشهد صنعاء منذ سيطرة الحوثيين عام 2014 تراجعاً ملحوظاً في الاهتمام بالمتاحف والمؤسسات التعليمية والأنشطة الثقافية، لصالح أولويات أمنية وعسكرية وطائفية.