تخطّت التدفقات الاستثمارية الداخلة إلى السوق السعودية (تداول)، في أعقاب إدراجها في مؤشرات عالمية كبرى، حاجز الـ 100 مليار دولار خلال سنوات قليلة، في تجسيد عملي لتحوّل قواعد الحوكمة من متطلبات إجرائية إلى أصول مُدرّة لرؤوس الأموال.
باتت قواعد الحوكمة الفعالة ركيزة أساسية يجري قياس جاذبية الاستثمارات عليها، حيث بات أكثر من 40% من قرارات الاستثمار المؤسسي العالمية تأخذ جودتها كعامل حاسم، وفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). ويُظهر البنك الدولي أن الشركات والأسواق ذات الأطر الحوكمية القوية تتمتع بعلاوة ثقة تخفض تكلفة تمويلها بما يتراوح بين 1.5% و3% مقارنة بنظيراتها الضعيفة.
وشكّلت التجربة السعودية في هذا الإطار نموذجاً بارزاً للتحول، إذ انتقل صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى المملكة من مستويات كانت تقل عن 5 مليارات دولار سنوياً، إلى معدل وسطي يقترب من 30 مليار دولار في السنوات الأخيرة، مدفوعاً بثقة مؤسسية متصاعدة.
ويأتي هذا التحول في إطار رؤية 2030 التي تهدف إلى تحديث نظام الشركات وتعزيز استقلالية مجالس الإدارات وتطوير حوكمة الشركات العائلية وربط الإفصاح بالأداء الفعلي. وقد انتقلت دول الخليج عموماً من مرحلة استيراد مفاهيم الحوكمة إلى توطينها بما يخدم نماذجها الاقتصادية.
وعالمياً، تشير البيانات إلى أن الأسواق التي حسّنت أطر الحوكمة خلال العقدين الماضيين شهدت تدفقات استثمار أجنبي مباشر أعلى بنحو 20–25% من نظيراتها التي لم تفعل.
ويكمن جوهر التحدي، كما يختصر وارن بافيت، في أن «الثقة تُبنى بالسنوات، وقد تُهدم بلحظة واحدة». فقد تكررت عبر التاريخ حالات انهيار شركات بدت مثالية على الورق بسبب ضعف الحوكمة الفعلية، عندما تتحول من أداة تنظيمية إلى مجرد إكسسوار أو «ملصق طمأنة» ضمن العرض الترويجي للاستثمار.
ويخلص التحليل إلى أن الحوكمة الحقيقية لا تُقاس بجمال اللوائح، بل بقدرتها على حماية المؤسسة واستمرارها حتى مع تغير الأشخاص والظروف، كما برهنت أزمة كوفيد-19. وعندما تُزرع في صميم القرار، فإنها تتحول إلى أعظم استثمار طويل الأجل للاقتصادات الوطنية.