حققت مصر قفزة صناعية مذهلة، حيث ارتفع ناتجها الصناعي بنحو 450% خلال عشرين عاماً، قفزاً من 13.8 مليار دولار عام 2003 إلى حوالي 76 مليار دولار عام 2022، وفقاً لبيانات البنك الدولي. هذا التحول الضخم، الذي يراهن على استمراره ليصل إلى 420 مليار دولار خلال العقدين المقبلين، يرتكز على سر استراتيجي حوّل الصحراء إلى مدن إنتاج.
فبعد عقود من نموذج تخصيص الأراضي الخام تحت إدارة حكومية مباشرة، تحولت الصناعة المصرية إلى نظام جديد يقوده "المطور الصناعي". هذا الكيان، الذي يشبه المطور العقاري ولكنه يركز على القطاع الصناعي، لا يكتفي ببيع الأرض بل يحولها إلى مدينة إنتاج متكاملة، مجهزة بالكامل بشبكات الطرق والمرافق والخدمات اللوجستية. وقد تسارع نمو هذا النموذج بعد 2016 مع توجه الدولة لتسريع عمليات الترفيق وجذب استثمارات أجنبية.
نتج عن هذا النموذج تقليص زمن بدء الإنتاج من سنوات إلى شهور فقط، حيث يستلم المستثمر أرضاً مرفقة وجاهزة لتركيب الماكينات، بينما يتولى المطور التسويق عالمياً وإدارة المنطقة بشكل مستمر. وتحول المطور إلى سفير صناعي يجذب سلاسل توريد كاملة، بدلاً من مصانع منفردة.
نجحت كيانات تطويرية عدة في تنفيذ هذا النموذج، حيث دخلت شركة بولاريس باركس التركية السوق المصري منذ 2007، ونجح المطور الصيني "تيدا" في جذب أكثر من 200 شركة صينية باستثمارات بلغت 4 مليارات دولار داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. كما توسع أحمد السويدي عبر سلسلة مدن "إندستريا"، فيما اقتحمت مجموعة أوراسكوم المجال عبر "أوراسكوم إندستريال باركس".
لم يقتصر التحول على الأرقام فحسب، بل ارتفعت قيمة الأرض الصناعية نفسها وتحسنت القدرة على التصدير في قطاعات مثل النسيج والصناعات الغذائية والكيماويات. ويعيد هذا النموذج تنظيم المصانع ضمن بيئات مستقرة تزيد من كفاءتها.
بعد سنوات من تصدر جنوب أفريقيا ونيجيريا، نجحت مصر بفضل هذا التحول في احتلال صدارة أفريقيا كأكبر اقتصاد صناعي في القارة، مع توقعات بأن تحافظ القاهرة على هذا اللقب في السنوات القادمة.