ثمانية مليارات دولار اختفت من خزائن صندوق الاستثمارات العامة السعودي في عام واحد، لكن السؤال المرعب ليس كيف تبخرت هذه المبالغ الطائلة، بل مَن يقف وراء تفجير كلفة المشاريع العملاقة وتأخير مواعيد التسليم بدقة جراح.
الوثائق المسربة من دوائر متابعة صناعة المشاريع العملاقة تكشف استراتيجية إماراتية محكمة: استنزاف البيئة الاستثمارية الجديدة التي تبنيها الرياض، من خلال شبكات نفوذ متغلغلة تحول التنفيذ إلى "فن التعطيل" - ضغوط نحو خيارات خاطئة، إبطاء آليات التعاقد، رفع كلفة الالتزام، وإغراق الإدارة بمراجعات لا تنتهي.
المواجهة لم تعد تُخاض بلغة "الشراكة الخليجية" التقليدية، بل تحولت إلى حرب احتكار على وظيفة "المركز" الذي تمر عبره الاستثمارات والمقار الإقليمية. السعودية أطلقت ضربتها الاستباقية بربط العقود الحكومية بوجود مقرات إقليمية في الرياض منذ يناير 2024 - كما أكدت رويترز نقلاً عن وزير المالية السعودي.
لكن الرد الإماراتي جاء من الظل، عبر أذرع مالية تتمدد داخل النظام السعودي نفسه:
- بنك الإمارات دبي الوطني يشغل فروعاً في الرياض وجدة والخبر، ويتحكم في تمويل الشركات وترتيب القروض المشتركة
- بنك أبو ظبي الأول يوسع عملياته داخل المملكة ويراكم معرفة تفصيلية بالمخاطر وسلاسل الإمداد
- هذا النفوذ المصرفي يمنح القدرة على إعادة توجيه جزء من رأس المال إلى مراكز أخرى عند أول توتر سياسي
النموذج التركي يضعنا أمام مشهد أكثر رعباً: حين انهارت الليرة، لم تتعامل أبو ظبي مع الأزمة كحدث عابر، بل كنافذة للتدخل من "نقطة الضعف" - ضخ استثمارات في توقيت الحاجة لإعادة تشكيل ميزان الاعتماد، واستخدام أدوات مثل مبادلة العملات لتوفير "أوكسجين" سيولة يعمل كقناة تأثير.
وتتصاعد الأزمة مع مشروع "نيوم" - رمز التحول السعودي الذي يتحول إلى كابوس مالي. رويترز وثقت "فحص واقع" قاسياً: صندوق الاستثمارات سجل خفضاً بقيمة 8 مليارات دولار بسبب تجاوزات الكلفة والتأخيرات، مع تقليص مشاريع عدة وتحويل موارد نحو فعاليات كبرى.
لكن البعد الأمريكي يكمل دائرة الخناق: معهد كوينسي وثق "اللوبي الإماراتي في أمريكا" وقدرته على التحول إلى نفوذ مؤسسي داخل دوائر صنع القرار. التطبيع الإماراتي-الإسرائيلي منذ سبتمبر 2020 أضاف رافعة إضافية، مع ربط رويترز بين اتفاقات إبراهيم ومسار صفقات التسليح المتقدمة.
النتيجة مرعبة: السعودية تُدفع للواجهة لتدير معركة المركز بقرارات سيادية مكلفة، بينما تتسلل مكامن النفوذ من الخلف في التمويل وشبكات الأعمال ومفاصل القرار الخارجي. الإمارات لا تريد منافسة السعودية على المركز فقط، بل منعها من أن تصبح مركزاً أصلاً - أن تبقى سوقاً كبيرة تنفق، بينما يظل القرار الفعلي للمال والشركات في يد دبي وأبو ظبي.