في مشهد صادم يهز الضمير الإنساني، تكشف أرقام اليوم عن فجوة اقتصادية مرعبة تمزق اليمن إلى شطرين منفصلين تماماً: الدولار الواحد يساوي 1,633 ريال في عدن بينما لا يتجاوز 540 ريال في صنعاء - فارق صادم بنسبة 202% يعني أن نفس المبلغ الذي يكفي لإطعام أسرة كاملة في صنعاء، بالكاد يشتري وجبة واحدة في عدن. هذا الانقسام النقدي المدمر لا يمثل مجرد أرقام، بل حياة ملايين اليمنيين المعلقة بين فكي كماشة اقتصادية قاتلة.
في شوارع عدن المكتظة، يقف أحمد المحمدي موظف حكومي أمام محل صرافة وعرق القلق يتصبب من جبينه. يحتاج لإرسال راتبه البالغ 200 دولار لعائلته في صنعاء، لكن المبلغ الذي كان يكفي لشهر كامل، أصبح يساوي ثلث قيمته فقط عند الوصول. "أشاهد أموالي تذوب أمام عيني مثل الثلج تحت الشمس الحارقة"، يهمس بصوت مخنوق بالألم. إحصائيات مؤلمة تكشف أن الفارق البالغ 1,093 ريال بين المدينتين يساوي راتب موظف حكومي كامل - معادلة رياضية بسيطة تحمل في طياتها مأساة إنسانية عميقة.
جذور هذه الكارثة تمتد لأعماق الصراع السياسي المدمر الذي يعصف باليمن منذ 2014، حين انقسم البنك المركزي اليمني بين سيطرة الحكومة الشرعية في عدن وجماعة الحوثيين في صنعاء. الخبير الاقتصادي د. محمد العولقي يحذر قائلاً: "نحن أمام سيناريو لم يشهده العالم منذ انقسام ألمانيا، لكن هذه المرة الانقسام نقدي خالص يدمر النسيج الاقتصادي بالكامل." البيانات الدولية تظهر أن الريال اليمني قوي بنسبة 4.44% خلال العام الماضي، لكن هذا التحسن الظاهري يخفي حقيقة مرة: العملة الموحدة لم تعد موجودة فعلياً.
المعاناة الحقيقية تبدأ في البيوت اليمنية المنكوبة، حيث تجد الأسر نفسها محاصرة بين نارين: إما البقاء في منطقة والعيش بفقر مدقع، أو الانتقال والمخاطرة بفقدان كل شيء. فاطمة الحضرمي، تاجرة ذكية من عدن، تروي كيف استطاعت تحويل هذه الأزمة لفرصة: "أشتري البضائع بالعملة الصعبة من صنعاء وأبيعها في عدن، الفارق يحقق لي أرباحاً تفوق 200%". لكن هذه الاستراتيجية محفوفة بالمخاطر - فأي تغيير مفاجئ في السياسة النقدية قد يمحو كل المكاسب. توقعات الخبراء تشير إلى احتمالية انهيار كامل للنظام النقدي خلال الشهور القادمة إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لتوحيد السياسة النقدية.
بينما تتراقص الأرقام على شاشات الصرافة مثل ألسنة نار تلتهم مستقبل شعب بأكمله، يبقى السؤال الأهم معلقاً في الهواء: كم يمكن للشعب اليمني أن يتحمل من هذا العذاب الاقتصادي قبل أن ينهار كل شيء؟ الحل يتطلب أكثر من مجرد إصلاحات نقدية - يحتاج لمعجزة سياسية تعيد توحيد البلاد اقتصادياً قبل فوات الأوان. الوقت ينفد، والخيارات تتضاءل، وملايين اليمنيين ينتظرون إجابة قد تحدد مصير أجيال قادمة.