كشف باحث متخصص عن أن رحيل الرواة المسنين في المجتمعات الساحلية على البحر الأحمر يعني فقدان جانب مهم من الذاكرة الثقافية والمعارف المتوارثة بشكل لا يمكن تعويضه، في تحذير عاجل من اندثار تراث بحري فريد.
جاء ذلك خلال محاضرة بعنوان "ذاكرة البحر الأحمر: توثيق التراث البحري"، نظمها مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بحضور رئيس مجلس إدارته، الأمير تركي الفيصل، يوم الإثنين 29 ذي الحجة 1447هـ الموافق 15 يونيو 2026م.
قد يعجبك أيضا :
وقدم المحاضرة الباحث والمصور الفوتوغرافي سليم غيث الفايدي، مستعرضاً مشروع "ذاكرة البحر" الذي يهدف إلى توثيق الموروث البحري وحفظ ما يرتبط به من معارف وممارسات وفنون وروايات قبل أن تندثر، وذلك انطلاقاً من ملاحظة تراجع أعداد الرواة وحَمَلة الذاكرة الشفاهية.
أملج كانت النموذج التأسيسي الذي اختاره المشروع، نظراً لما تختزنه من طبقات تاريخية وثقافية تشكلت عبر حركة التجارة والحج والملاحة، ولتمثيلها حالة فريدة تجمع بين ثقافتي البحر والصحراء.
وحلل الفايدي ثلاث طبقات رئيسة للذاكرة البحرية في المنطقة:
- الاقتصاد المرتبط بمهنة استخراج اليسر (المرجان الأسود).
- الصوت ممثلاً في فن القاف البحري.
- الاحتفاء الجماعي ممثلاً في فن الزريبي.
وأشار إلى أن مهنة اليسر التي ازدهرت في أملج خلال منتصف القرن العشرين، شكلت منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة اعتمدت على مهارات الغوص والمعرفة البحرية، قبل أن تندثر تدريجيًّا لتبقى تفاصيلها محفوظة فقط في ذاكرة من عايشوها.
كما أوضح أن فن القاف يعد شكلاً من أشكال التعبير الوجداني الذي أتاح للبحارة التعبير عن مشاعر الغياب والانتظار والشوق، فيما يجسد فن الزريبي صورة للاحتفاء الجماعي وإعادة إنتاج الذاكرة المشتركة.
ولم يقتصر مشروع التوثيق على جمع الروايات الشفهية فقط، بل يشمل أيضاً التوثيق البصري من خلال التصوير الفوتوغرافي وتسجيل المواد المرئية، بهدف بناء أرشيف يوثق المكان والإنسان والممارسات التراثية.
وأكد الفايدي أن المرحلة الأكثر إلحاحاً حالياً هي توثيق الروايات الشفهية للرواة الأحياء، وبناء أرشيف رقمي للمادة الميدانية، مؤكداً أن الهدف يتجاوز الحفظ والأرشفة إلى تحويل التراث إلى معرفة منظمة يمكن الاستفادة منها في الدراسات وإنتاج محتوى ثقافي وتعليمي.
وتأتي هذه الجهود في سياق اهتمام مركز الملك فيصل بتوثيق التراث الثقافي غير المادي وحفظ الذاكرة الوطنية، عبر مشروعاته ومنها قسم الذاكرة السعودية الذي يعمل على جمع الموروث الثقافي والاجتماعي والفني في المملكة وتوثيقه.