أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية جوازات سفر تحمل وجه الرئيس دونالد ترمب وتوقيعه الشخصي، فيما اتخذت إدارته خطوات أخرى تعزز صورة الزعيم الذي يتجاوز الحواجز الدستورية، منها تحطيم الجناح الشرقي الملحق بالبيت الأبيض لبناء قاعة احتفالات ضخمة بقيمة 400 مليون دولار دون انتظار الضوء الأخضر من المشرعين.
يحدث هذا في لحظة سياسية مليئة بالانقسام، حيث تتصاعد المواجهات بين الإدارة وخصومها عبر مسارات متعددة تشمل القضاء والإعلام والسياسة الخارجية، وسط اتهامات بتسييس مؤسسات الدولة واستخدام أدواتها لملاحقة المعارضين.
في هذه الخضم، لم تكن إقالة وزيرة العدل السابقة بام بوندي تغييراً روتينياً، بل فرصة ضائعة حسب هيئة تحرير واشنطن بوست لإنهاء سلسلة "الإحراجات القضائية" المتتالية.
جاءت إحراجة جديدة يوم الثلاثاء، عندما وجهت لائحة اتهام إلى مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق جيمس كومي، تتعلق بمنشور على وسائل التواصل الاجتماعي في مايو/أيار من العام الماضي، وصفته الصحيفة بـ"الغبي". وتقول الافتتاحية أن ترمب "يكنُّ كراهية شديدة" لجيمس كومي بسبب دوره في التحقيقات المتعلقة بالتدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية لعام 2016.
التهمة الجديدة، التي تم توجيهها في المنطقة الشرقية من ولاية كارولاينا الشمالية، تستند إلى منشور لكومي على إنستغرام في مايو/أيار 2025، تضمن صورة لأصداف بحرية على شاطئ رملي تُكوّن رقمي "86" و"47". الرقم 47 يرمز بوضوح إلى ترمب الذي يُعد الرئيس الـ47 للولايات المتحدة، بينما الرقم 86 يُستخدم في اللغة الدارجة الأمريكية للدلالة على التخلص من شيء ما.
وتصف الافتتاحية القضية بأنها "الأكثر سخفا" ضمن سلسلة محاولات قانونية استهدفت كومي، مشيرة إلى أن إثبات نية التهديد الجنائي وفق المعايير الدستورية الصارمة أمر بالغ الصعوبة، خاصة مع حذف كومي للمنشور سريعاً مما اعتبر مؤشراً على غياب القصد الجنائي.
هذه الملاحقة، التي يشرف عليها القائم بأعمال وزير العدل تود بلانش، يراها المحللون محاولة مستميتة لإرضاء رئيس يسعى لرؤية خصومه يكابدون "المعاناة تحت طائلة القانون الإجرائي". وقد حذرت الصحيفة من أن هذه "المناورة" قد تساعد في تثبيت تود بلانش في منصبه، لكن أمريكا وحتى الحزب الجمهوري قد يدفعان الثمن.
بينما على جبهة الإعلام، أعلنت لجنة الاتصالات الفيدرالية يوم الثلاثاء بشكل مفاجئ عن مراجعة تراخيص البث الممنوحة لشركة ديزني، المالكة لشبكة إيه بي سي الإعلامية، غداة مطالبة ترمب علنا بإلغاء برنامج الكوميدي جيمي كيميل رداً على نكتة عن السيدة الأولى ميلانيا ترمب.
واشنطن بوست تعتبر استخدام أجهزة الدولة للانتقام من حرية التعبير عملا "غير دستوري بشكل صارخ". لكن محاولات ترمب "لي ذراع" الشركات الكبرى غالبا تنعكس إيجاباً على الضحايا، حيث ارتفعت معدلات مشاهدة كيميل وحقق انتشاراً بمليارات المشاهدات على يوتيوب نتيجة هذا الاستهداف الرسمي.
في سياق موازٍ، سلط تقرير لموقع "ذا ديلي بيست" الضوء على جدل أثارته منشورات رسمية للبيت الأبيض بعد نشر صورة لترمب إلى جانب ملك بريطانيا تشارلز الثالث مرفقة بعبارة "ملكان". رغم تأكيد الرئيس في مقابلات أنه "ليس ملكا"، تتصاعد احتجاجات داخلية تحت شعار "لا ملوك".
يرى التقرير أن تصرفات الإدارة تعزز الانطباع الملكي، بدءاً من فرض تعريفات جمركية عالمية بقرار أحادي، مروراً بنشر مقاطع فيديو أُنتجت بالذكاء الاصطناعي تصوره متوجاً فوق طائرة حربية، وصولاً إلى خطوات وزارة الخارجية لإصدار جوازات سفر تحمل وجهه.
على صعيد السياسة الخارجية، تناول جوزيف بوسكو، المسؤول السابق في وزارة الدفاع، التحديات التي تواجهها إدارة ترمب في التعامل مع ما وصفه بـ"محور استبدادي" يضم روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية. وأبان الكاتب أن هذا التحالف يعمل بشكل منسق لتقويض النظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة.
وانتقد بوسكو ما اعتبره نهجا أحاديا من جانب الإدارة، خاصة في اتخاذ قرارات عسكرية دون تنسيق كاف مع الكونغرس والحلفاء. كما حذر من أن استمرار الانقسام السياسي الداخلي قد يضعف قدرة الولايات المتحدة على الردع، ويمنح خصومها فرصة لتوسيع نفوذهم، داعياً إلى نهج أكثر تواضعاً وتعاوناً قائماً على احترام المؤسسات الديمقراطية.