أكثر من 70% من الأوراق النقدية المتداولة في مناطق الحكومة الشرعية اليمنية ممزقة أو تالفة. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية، بل هو القلب النابض لأزمة سيولة خانقة تحول فيها النقد إلى سلعة عديمة الفائدة لا يقبلها التجار، فيما تتراكم آلاف المليارات من الريالات في مخازن الصرافة بعيداً عن البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد.
مع اقتراب نهاية الشهر، ينتظر الموظفون صدمة جديدة: عجزهم عن الحصول على رواتبهم من بنوك تكاد تكون خالية، حيث يسمح لكل عميل بسحب 80 ألف ريال فقط يومياً. وتُعيد هذه الأزمة تعريف مفهوم السيولة: ليست هناك نقود قليلة، بل هناك نقود كثيرة لكنها محتجزة خارج النظام الرسمي، متحولة إلى "ورقة مزق" لا تصل إلى جيوب المواطنين.
ويرى خبراء اقتصاديون، وفق تحليلات لـ"الشرق الأوسط"، أن المشكلة هي اختلالات هيكلية عميقة. عبد السلام الأثوري يصفها بأنها نتيجة خروج كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، وإيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدلاً من البنك المركزي، بالإضافة إلى الإنفاق على رواتب لأسماء وهمية تتسرب لاحقاً للمضاربة.
وتفاقمت الأزمة بسبب هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر 2022، حسب ما نقلت "رويترز" عن مسؤولين في البنك المركزي. كما أن تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق التالفة يمثل سبباً رئيسياً، وفق مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي في عدن.
وتتجلّى التداعيات في تفاصيل يومية مروعة: مرضى يؤجلون زيارة الأطباء، مدارس خاصة تحذّر أولياء الأمور من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وتجار عاجزون عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية.
باحثون اقتصاديون يضعون تشخيصاً أكثر خطورة. عبد الحميد المساجدي يقول إنه هناك "شلل فعلي في وظيفة النقود" داخل النظام المالي الرسمي، مما خلق مفارقة: شح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية يُستخدم في المضاربة. حلمي الحمادي يشير إلى أن النقود وقعت في "مصيدة السيولة"، حيث يحتفظ المتحكمون بها الآن في المنازل بدلاً من ضخها في البنوك.
والنتيجة، كما يخلص الخبراء، هي أزمة ثقة حادة متعددة المستويات تهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على "المقايضة" القسرية أو التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية في الريف. ويتزايد خطر تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي.
الحلول المقترحة تركز على إصلاح هيكلي شامل: ضبط المالية العامة، إغلاق حسابات الصرافة الحكومية، توحيد الرقابة على المال العام، تدقيق القوائم الوظيفية، وإصلاح الرواتب. كما يدعو الخبراء إلى تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية لمعالجة اختلالات التهربات الضريبية.