آلاف المقاتلين يواجهون الموت بلا رواتب منذ شهور، بينما وزير الثروة الحيوانية والسمكية البروفيسور المنصوري يتصفح فرص العمل في أربع دول خليجية عبر لينكد إن!
الفضيحة التي هزت أركان الثقة الشعبية تكشف عن مستوى مذهل من الانفصال عن الواقع، حيث استغل المسؤول الحكومي منصة التوظيف المهني للبحث عن مصدر دخل إضافي في الإمارات والسعودية وقطر وعُمان، محتجاً على ضائقته المالية في منصبه الحالي.
لكن المشهد الأكثر إثارة للجدل جاء في محاولات الإنكار المتضاربة التي فضحت حجم الأزمة أكثر مما أخفاها. فبعد انتشار لقطات الشاشة لمنشوره على وسائل التواصل، لجأ المنصوري إلى سلسلة من التبريرات المتناقضة.
البداية كانت ادعاء تعرض حسابه للقرصنة الإلكترونية، كما نُقل عنه في منشور على صفحة الصحفي عبدالعظيم عوض. ثم تغيرت الرواية تماماً خلال حوار مع الإعلامية لينا هاشم على منصة الكرامة، حيث زعم أن المنشور قديم يعود لفترة ما قبل توليه الوزارة، واصفاً الانتقادات الموجهة إليه بـحملات اغتيال شخصية.
هذا التخبط في الإنكار يكشف عن استراتيجية دفاعية فاشلة أمام فضيحة أخلاقية بحجم كارثي. ففي وقت يتقاسم فيه السودانيون اللقمة والوجع، ويقف الجنود في الخنادق بلا أجور، يخرج مسؤول رفيع المستوى بشكوى من قلة الدخل.
المفارقة المؤلمة تتجلى في كون هذا الوزير، الذي قدم نفسه إعلامياً كرجل أعمال ميسور، يبحث الآن عن تحسين دخله الشخصي بينما آلاف النازحين والمتطوعين فقدوا كل ما يملكون ويواصلون التضحية دون مقابل.
الأخطر من الفعل نفسه محاولة تزييف الوعي الجمعي عبر إنكار الواضحات ومهاجمة الرأي العام بجرأة تعكس انفصالاً تاماً عن معاناة الشعب. فالإساءة هنا تجاوزت الشخص إلى صورة السودان بأكملها أمام العالم.
في بلد محاصر بالفساد ومنهك بالحروب، يصبح التذمر من ضعف الرواتب من قِبل من هم في قمة الهرم السلطوي نوعاً من الترف المستفز وطعنة في خاصرة التضحيات الشعبية.
الخلاصة واضحة: المناصب تكليف لا تشريف، ومن ضاقت عليه تكلفة خدمة الوطن، فالاستقالة أكرم من إهدار كرامة البلاد على منصات التوظيف الدولية.