في 22 رمضان قبل 1394 عاماً، تحرك اثنا عشر ألف مقاتل في عملية عسكرية استراتيجية محكمة غيّرت وجه التاريخ للأبد! ففي أعقاب دخول المسلمين مكة المكرمة دون مقاومة كبيرة خلال شهر رمضان من السنة الثامنة للهجرة، أطلق النبي محمد بن عبد الله خطة عبقرية لتوحيد شبه الجزيرة العربية نهائياً.
شهدت تلك الأيام المباركة عمليات عسكرية متزامنة هدفت لإزالة آخر معاقل المقاومة التي كانت تهدد أمن الدولة الإسلامية الناشئة. حيث انطلقت سرايا عديدة بقيادات مختارة بعناية لمواجهة زعماء المشركين الذين واصلوا تحريضهم ضد المسلمين، وذلك استعداداً للمواجهة المرتقبة مع قبيلتي هوازن وثقيف.
نفّذت القيادة الإسلامية مرحلة حاسمة من تثبيت السيطرة في الحجاز، بعدما بقيت قيادات قبلية معيّنة تنظر لصعود الدولة الإسلامية كتهديد مباشر لنفوذها السياسي والديني، لا سيما في مناطق الطائف والمناطق المحيطة بها.
العملية الأولى: تدمير معبد العزى
توجهت سرية بقيادة خالد بن الوليد نحو منطقة نخلة لتدمير معبد العزى، أحد أبرز مراكز العبادة الوثنية لدى القبائل العربية. مثّلت هذه المهمة ضربة رمزية وعسكرية في آن واحد، استهدفت القضاء على المراكز الدينية التي استُخدمت لحشد القبائل في مواجهة المسلمين.
العملية الثانية: إسقاط معبد سواع
بالتوازي، انطلقت سرية تحت قيادة عمرو بن العاص لهدم معبد سواع الذي عبدته قبيلة هذيل. ساهمت هذه التحركات في تقليص نفوذ القوى المناوئة وإرسال رسالة قاطعة بأن حقبة جديدة انطلقت في الجزيرة العربية تقوم على توحيد السلطة والقضاء على بؤر التمرد.
التحضير للمعركة الكبرى
في الوقت ذاته، وصلت أنباء إلى المدينة ومكة تفيد بأن قبيلتي هوازن وثقيف تعبئان قواتهما استعداداً لمجابهة المسلمين. قاد هذا الحشد مالك بن عوف النصري، زعيم هوازن، الذي جمع المحاربين في محاولة لإيقاف تمدد المسلمين عقب فتح مكة.
رداً على هذا التهديد، خرج النبي محمد بن عبد الله على رأس جيش عظيم ضم حوالي اثني عشر ألف مقاتل، في واحدة من أضخم الحملات العسكرية في تلك الحقبة التاريخية.
من حنين إلى حصار الطائف
انتصر المسلمون في غزوة حنين بعد معركة عنيفة تشتت على إثرها قوات هوازن وثقيف، لكن جزءاً من المقاتلين انسحب إلى مدينة الطائف وتحصن خلف أسوارها المنيعة. هنا اتخذ النبي قراراً باستكمال الحملة العسكرية والتوجه صوب الطائف لفرض حصار عليها، بهدف القضاء على آخر معقل مقاومة كبير في الحجاز.
بدأ فعلاً حصار الطائف بعد أيام قليلة من معركة حنين، حيث استعمل المسلمون وسائل عسكرية متطورة مثل المنجنيق لكسر تحصينات المدينة. ورغم قوة الدفاعات داخل الطائف، فإن الحصار أحدث ضغطاً هائلاً على قبيلة ثقيف، التي انتهت بإعلان إسلامها بعد فترة وجيزة.