لم تعد الأربعة الأمتار التي تفصل باب منزلك عن الشارع مجرد مسافة، بل تحولت إلى حدّ فعلي يحكمه نظام جديد يهدف، وفقاً للرؤية التي تقدمها شركة "موقف"، إلى حماية حقوق الجميع. فالخطوة التي أثارت موجة استياء في أحياء جدة السكنية، حيث اقتطعت هذه المساحة الضيقة من الطرقات لتصبح منطقة خاضعة للرسوم والغرامات، تحمل في طياتها تعريفاً مغايراً للأمان الحضري.
فجأة، وجد سكان هذه الأحياء أنفسهم أمام واقع جديد: منطقة الإيقاف التقليدية التي اعتادوا استخدامها لعقود أمام منازلهم تحولت إلى نطاق خاضع للتنظيم المدفوع. المشهد الذي وصفته تقارير بالصادم تكرر يومياً، حيث امتد نشاط الشركة من المجمعات التجارية والمناطق المزدحمة إلى الشوارع الداخلية السكنية الهادئة.
تساؤلات حارقة برزت على السطح: كيف يُغرَّم صاحب البيت لمجرد وقوفه أمام كراج منزله الخاص؟ التحول من النظام المجاني إلى فرض الرسوم والغرامات طال الملاك أنفسهم، في خطوة وصفت بأنها نفذت "بين عشية وضحاها" دون إشعار كافٍ أو بدائل عادلة للسكان.
السياسة الجديدة أعلنت هدفاً واضحاً: إعادة تنظيم الفضاء العام. فالمنطق الذي تقدمه لا يركز على الجباية، بل على منع التعدي على مساحات الآخرين وضمان تدفق حركة المرور، مما يعني أن تلك الأمتار الأربعة أصبحت خط دفاع أول ضد الفوضى التي قد تنجم عن الإيقاف العشوائي.
غير أن التطبيق على الأرض أثار إشكالية كبرى، حيث يرى السكان أن الانتفاع بالمحيط المباشر للمسكن ليس ترفاً، بل جزءاً جوهرياً من الاستقرار السكني الذي تحكمه الأعراف والأنظمة القديمة. وأصبح السؤال الملح: من يضمن موازنة بين متطلبات التنظيم الحضري الحديث وحماية الحقوق المكتسبة للسكان؟
الحل، كما تطرحه المطالب العاجلة، قد يكمن في مراجعة آلية العمل لوضع استثناءات لأصحاب المنازل، وتمييز واضح بين الشوارع التجارية والسكنية. فالأمان الذي تهدف السياسة الجديدة لتحقيقه يجب أن يشمل أيضاً أمان السكان من المفاجآت المالية والتنظيمية، عبر حوار حقيقي يسبق أي إجراء.