انكشف أخيراً للعيان دليل الخلود الذي وضعه مصري عاش قبل أكثر من ألفي عام. مخطوطة جنائزية مذهبة، يبلغ طولها 21 قدماً، تحتوي على 162 تعويذة سحرية، معروضة الآن للمرة الأولى على الإطلاق في متحف بروكلين بنيويورك، بعد عملية ترميم استغرقت ثلاث سنوات.
تُعرض هذه المخطوطة النادرة، المعروفة باسم "كتاب الموتى"، في معرض بعنوان "كشف أسرار الحياة الأبدية". ويعتقد القيمون على المعرض أنها اكتُشفت في مقبرة صاحبها، رجل مصري يُدعى أنخمرو، بالقرب من ممفيس في مصر السفلى. والترجمة الأدق لاسمها، وفق العلماء، هي "تعاويذ الخروج إلى النهار".
لم تكن هذه المخطوطة كتاباً تقليدياً يسرد قصة حياة، بل كانت أداة عملية موجهة للموتى أنفسهم. جمع الكهنة المصريون هذه التعويذات والترانيم لتكون مرشداً للروح في رحلتها عبر مخاطر العالم السفلي، لتتجنب التهديدات الوحشية وتصل في النهاية إلى "حقل القصب"، وهي جنة المعدة للصالحين.
وكانت مثل هذه المخطوطات تُحضَر مسبقاً وتوضع داخل التوابيت. وغالباً ما كانت تتضمن نصوصاً لـ"اعتراف سلبي"، يقر فيه المتوفى أمام القضاة الإلهيين بذنوب لم يرتكبها في حياته.
وبالرغم من فخامة إنتاج المخطوطة - التي عمل عليها على الأرجح ثلاثة نساخ على مدى أشهر - إلا أنها لا تقدم سوى لمحات قليلة عن أنخمرو نفسه. تُعرِّف المخطوطة صاحبها بأنه ابن لرجل يدعى تانفرهر، وتذكر امرأة تحمل الاسم نفسه كانت موسيقية وكاهنة. ويشير نقص التفاصيل عن إنجازاته إلى احتمال وفاته في سن مبكرة.
وتأتي المخطوطة كجزء من مجموعة ضخمة تضم حوالي 1200 قطعة، جمعها الطبيب البريطاني هنري أبوت في أوائل القرن التاسع عشر. وقد خضعت للترميم بعد أن حُفظت لنحو 150 عاماً، بتمويل منحة قدمها بنك أوف أمريكا.
وتكمن الأهمية الحقيقية لهذا الكشف في كونه نافذة على العقلية المصرية القديمة تجاه الموت، الذي لم يكن يعتبر نهاية، بل معبراً إلى عالم آخر. ومن المفارقات، كما أوضحت يكاترينا بارباش، أمينة قسم الفن المصري والكلاسيكي في المتحف، أن صانعي المخطوطة افترضوا أن القارئ الوحيد لها سيكون المتوفى نفسه، حيث دُفنت بجانبه كأداة روحية خاصة.
أما اليوم، وبعد آلاف السنين، فقد تحولت هذه الأداة الخاصة إلى شهادة علنية نادرة، تتيح للجميع فرصة لفهم كيف تصورت إحدى أعظم الحضارات القديمة فكرة الخلود والحياة بعد الموت.