عبر أربعة عشر قرناً من التاريخ الإسلامي، شهد اليوم الرابع من رمضان ثلاث محطات مصيرية غيّرت وجه الأمة: من نواة أول قوة عسكرية إسلامية بقيادة حمزة بن عبد المطلب، إلى سقوط آخر معاقل الصليبيين في أنطاكية، وصولاً إلى اختيار شعبي حر في قرطبة الأندلسية.
في العام الأول للهجرة، اختار النبي محمد صلى الله عليه وسلم هذا التوقيت المبارك ليسند أول راية عسكرية في الإسلام إلى عمه حمزة، الذي خرج بثلاثين مهاجراً لاعتراض قافلة قريشية بحراسة ثلاثمائة رجل. رغم عدم وقوع قتال مباشر، أرسلت هذه المهمة رسائل استراتيجية حاسمة للقبائل العربية حول نشوء قوة منظمة في المدينة المنورة قادرة على تهديد طرق التجارة.
وبعد مرور ستة قرون ونصف، استطاع السلطان الظاهر بيبرس في عام 660 هجرية أن يكسر شوكة الوجود الصليبي نهائياً بسقوط أنطاكية، التي قاومت خمسة وسبعين عاماً من المحاولات. فرض الجيش المملوكي حصاراً خانقاً أجبر الفرنجة على الاستسلام، مما أعاد الأمن لربوع الشام وأكد عبقرية بيبرس العسكرية.
أما في الأندلس، فقد سجل عام 414 هجرية نموذجاً فريداً للديمقراطية الإسلامية، حيث اجتمع أعيان قرطبة لاختيار خليفة جديد بعد التخلص من حكم البربر وزعيمهم القاسم بن حمود. بعد ثلاثة أسابيع من الانتظار، وقع الاختيار الشعبي على عبد الرحمن بن هشام الأموي، في تعبير عن إرادة الشعوب في تقرير مصيرها.
- النواة الأولى: 30 مقاتلاً أسسوا لأقوى جيش في التاريخ
- الضربة القاصمة: نهاية 75 عاماً من الاحتلال الصليبي لأنطاكية
- الاختيار الحر: نموذج للشورى الإسلامية في قرطبة
يكشف استعراض هذه الأحداث عن خيط خفي يربط العبادة بالعمل، والصيام بالفتح. لم يعتبر المسلمون الأوائل رمضان شهر خمول، بل ميداناً للتسابق نحو تخليد المواقف البطولية التي جمعت بين القوة العسكرية والحكمة السياسية والهوية الأصيلة.
تبقى هذه الذكريات شاهدة على أن الدين لم ينتشر ولم يستمر إلا بجهود رجال صدقوا عهدهم مع الله، فصنعوا بدمائهم وعقولهم حضارة لا تزال آثارها حاضرة حتى اليوم.