كيف يمكن لأكبر حلم سياحي سعودي أن يغير مساره؟ الإجابة المباشرة أتى بها وزير المالية محمد الجدعان نفسه: مراجعة شاملة أولويات الإنفاق، تؤدي إلى تمديد أطر زمنية وتقليص مشروعات أو تأجيلها.
هذا التصريح الذي جاء في منتدى دافوس، يضع إطاراً رسمياً للصدمة التي كشفت عنها وكالة فرانس برس بناءً على سبع مصادر مطلعة: تقليص مشروع المنتجعات الفاخرة على البحر الأحمر من 81 منتجعاً مخططاً إلى 27 منتجعاً فقط في المرحلة الأولى.
وتتوقف أعمال البناء في المرحلة الثانية بشكل مؤقت بحلول نهاية 2026، في تحول نسبي يقدر بنسبة 67% عن الحجم الأصلي المتوقع.
التعديل الجذري يأتي في سياق سلسلة إجراءات تهدف إلى إعادة ترتيب الأولويات، حيث يركز الإنفاق حالياً على التزامات بنية تحتية كبرى لا يمكن تأجيلها، أبرزها استضافة إكسبو 2030 في الرياض وكأس العالم 2034.
وراء هذا القرار، تقف معادلة اقتصادية واقعية كشفت عنها المصادر نفسها: تجاوز التكاليف التشغيلية للعوائد بشكل غير محتمل. وهو ما يهدد عشرات الوظائف في الشركة والمقاولات التابعة، ودفع إلى إلغاء مناقصات كانت مبرمجة لعامي 2027 و2028.
على الأرض، يواجه المشروع تحديات عملية، حيث تعاني المنتجعات العشرة المنجزة بالفعل من ضعف معدلات الإشغال، بسبب الأسعار المرتفعة وعدم تقديم الكحول للسياح، مما يطرح علامات استفهام حول الجدوى التسويقية للمشروع الضخم.
رغم نفي شركة البحر الأحمر الدولي الرسمي وتأكيدها استمرار العمل بمنهجية متسلسلة، إلا أن المشهد الأوسع يعكس تحولاً إستراتيجياً. فالصندوق السعودي للاستثمارات العامة (PIF)، الذي يدير أصولاً تبلغ قيمتها 925 مليار دولار، يعدل خططه للفترة 2026-2030 للتركيز على الصناعة والتعدين والذكاء الاصطناعي، مع تقليص المشاريع العقارية العملاقة.
هذا التحول لا يقتصر على البحر الأحمر، بل يمتد إلى مشاريع طموحة أخرى مثل نيوم ومشروع المكعب في الرياض، مما يؤسس لمرحلة جديدة من رؤية 2030 تقوم على مراجعة الواقع وموازنة الطموح مع الملاءة المالية، في ظل ضغوط مالية ناجمة عن أسعار النفط المنخفضة وتراجع أرباح أرامكو لأحد عشر ربعاً متتالياً.