بينما لا تتجاوز القيمة السوقية لطن الرمال البيضاء الخام 20 دولاراً، يمكن أن يرتفع سعره إلى 30 ألف دولار عند تحويله لمنتجات تكنولوجية متقدمة. هذا الفارق السعري الهائل هو قلب الكنز الاستراتيجي الذي دفعت مصر ثمنه بأحكام قاسية بالسجن، وأطلقت لاستغلاله مشروعاً صناعياً عملاقاً تبلغ استثماراته 700 مليون دولار.
لم يعد هذا المورد الطبيعي، الذي يبلغ احتياطي مصر منه نحو 20 مليون طن، مجرد رمال جميلة، بل تحول إلى ثروة ترتبط مباشرة بمستقبل صناعات الزجاج والسيراميك والألياف الزجاجية والأهم، الطاقة الشمسية والإلكترونيات، بحسب وصف الجهات المسؤولة.
ويأتي قرار وقف تصدير خام الرمال البيضاء، الذي صدر في يونيو 2025، في إطار سياسة تمنع تصدير الخامات الاستراتيجية دون قيمة مضافة. وقد أكدت الجهات القضائية، في قضية تتعلق بمحاولات تهريب، أنها تتعامل مع ملف الموارد الطبيعية بعين الصرامة، لارتباطه بخطط الدولة الصناعية.
فقد قضت المحكمة المختصة بالسجن المشدد بحق 6 متهمين، وهم من مسؤولي جمارك ميناء الإسكندرية، بعقوبات تراوحت بين 10 و15 عاماً. وكانت هيئة الرقابة الإدارية كشفت عن تورطهم في تسهيل تصدير شحنات من الرمال البيضاء بالمخالفة لقرارات الحظر مقابل رشاوى مالية.
ويبرر المسؤولون شدة هذه العقوبة بالفارق الهائل في القيمة. فطن الرمال الخام الذي يتم تهريبه مقابل 20 دولاراً يمكن أن يتحول بعد التصنيع إلى سيليكون معدني بقيمة 3,000 دولار، أو بولي سيليكون تتجاوز قيمته 30,000 دولار، وهو مكون رئيسي في صناعة الخلايا الشمسية وأشباه الموصلات.
هنا يأتي دور مجمع إنتاج السيليكون في مدينة العلمين الجديدة، كمشروع صناعي يهدف لتحويل هذا الكنز الخام إلى ثروة حقيقية. يستهدف المجمع، باستثمارات إجمالية تبلغ 700 مليون دولار، تحويل خام الكوارتز عالي النقاء إلى سيليكون معدني ثم إلى بولي سيليكون.
تبدأ المرحلة الأولى من المشروع بإنتاج نحو 45 ألف طن سنوياً من السيليكون المعدني، ليتوسع لاحقاً لإنتاج مشتقات أعلى قيمة، بهدف خلق سلسلة صناعية متكاملة.
ويمثل هذا المجمع حلقة محورية في سلسلة صناعية تشهدها المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، حيث تستقبل منتجات السيليكون منه لتغذية مصانع الخلايا والألواح الشمسية العملاقة. فمنتجات السيليكون القادمة من مجمع العلمين ستكون عنصراً أساسياً في مشروعات مثل Atom Solar Egypt البالغة استثماراته 220 مليون دولار، وElite Solar البالغة استثماراته 150 مليون دولار، وSunrev Solar البالغة استثماراته 200 مليون دولار.
كما تجري مفاوضات لإنشاء أحد أكبر مصانع زجاج الألواح الشمسية في العالم داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باستثمارات متوقعة تبلغ نحو 700 مليون دولار، وهو مشروع يعتمد بدوره على الرمال البيضاء المصرية.
بهذا الترابط، يتضح أن وقف تصدير الرمال البيضاء كان قراراً استراتيجياً يعكس انتقال مصر من منطق تصدير الخامات إلى منطق تعميق التصنيع. وتؤكد الأحكام القضائية المشددة ومشروعات السيليكون الضخمة أن كل طن خام يخرج من البلد يمثل خسارة مباشرة لصناعة كاملة بدأت مصر في بنائها بالفعل.