شهدت الأسواق العالمية تحولاً صادماً خلال عام واحد، حيث انخفض الدولار بنسبة 10% تقريباً منذ ذروته مطلع العام الجاري، فيما ارتفعت أسعار الذهب لتقترب من 5000 دولار للأونصة، محققة قفزة تقارب 75%.
يرى مراقبون أن هذه الأرقام ليست مجرد تقلبات عابرة، بل تعكس فقداناً متسارعاً للثقة في العملة الأمريكية، التي طالما كانت الملاذ الآمن الأوحد خلال عقود من الاضطرابات. فبعد أن بلغ الدولار ذروته في يناير 2025، تراجعت قيمته بشكل ملحوظ مقابل سلة واسعة من العملات.
ويُعزى جزء من هذا الضعف إلى تقلص الفروق في أسعار الفائدة بين الولايات المتحدة واقتصادات كبرى أخرى. لكن المخاوف المؤسسية تلعب دوراً أكبر، حيث باتت نوبات ذعر المستثمرين، التي كانت شائعة في الأسواق الناشئة، أكثر تواتراً في السوق الأمريكية. ففي سبعة من الأسابيع الـ52 الماضية، انخفضت أسعار الأسهم والسندات الأمريكية والدولار معاً، وغالباً ما جاءت هذه التحركات رداً على إعلانات سياسية مفاجئة من واشنطن.
وتتزايد المؤشرات على أن الأصول المقومة بالدولار لم تعد تشكل ذلك الملاذ الموثوق، في تطور مقلق لعملة تشكل ركيزة التمويل العالمي. وقد غذى ارتفاع الذهب القياسي التكهنات بأن الأسواق تتحوط ضد انخفاض قيمة العملات وعدم الاستقرار المالي والجيوسياسي.
ويجعل هذا المشهد أولئك الذين يفترضون استمرار الهيمنة المالية الأمريكية يعيدون النظر. فالمستثمرون الأجانب يمتلكون الآن أصولاً أمريكية تعادل 89% من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة، مما يجعل محافظهم الاستثمارية شديدة التعرض لأي خطأ في السياسات الأمريكية.
وبينما حاول الرئيس دونالد ترامب تهدئة الأسواق بترشيح كيفن وارش، المحافظ السابق في الاحتياطي الفيدرالي والمعروف بتشدده النقدي، لرئاسة البنك المركزي، لم يدم هذا الارتياح طويلاً. فخلال الشهر الماضي فقط، تراجع الدولار 1.5% أخرى وارتفع الذهب 14% وسط تجدد الاستفزازات الجيوسياسية.
وتتعقد الصورة أكثر مع تبني وارش مؤخراً لخفض أسعار الفائدة، متقارباً مع توجهات الرئيس، وسط توقعات بأن الذكاء الاصطناعي سيطلق طفرة إنتاجية. ويبقى التضخم الأميركي عند 2.8%، أعلى من الهدف الرسمي، بينما تهدد التخفيضات الضريبية وخفض الفائدة بإعادة إشعاله.
يكشف تحليل أعمق أن طبيعة الطلب الأجنبي على الدولار تتغير. فبينما لا تزال البنوك المركزية تحتفظ به كعملة احتياط رئيسية (57% من الاحتياطيات العالمية)، إلا أن هذه الاحتياطيات لا تمثل سوى 13% من استثمارات المحافظ الأجنبية في الأصول الأمريكية، وهو أدنى مستوى تاريخي. بدلاً من ذلك، يتجه المستثمرون بكثافة للأسهم الأمريكية، لكن هذا الزخم بدأ يتراجع، حيث سجلت الأسهم الأمريكية في 2025 أسوأ أداء نسبي منذ 2009.
وتلجأ العديد من المؤسسات الأجنبية الآن للتحوط من انكشافها على الدولار، مما يضعف العملة بشكل تلقائي. ورغم عدم وجود بديل جاهز يحل محلها، إلا أن الحماية لا تعني الحصانة. فالدولار، حتى بعد انخفاضه، لا يزال أعلى من وسطه الحقيقي طويل الأجل ويبدو مبالغاً في قيمته.
ويستعد كيفن وارش الآن لإدارة أهم بنك مركزي في العالم وهو يرث عملة تبدو أكثر هشاشة من أي وقت مضى في التاريخ الحديث، حيث باتت هيمنة الدولار العالمية تستند إلى أساس هش: التفوق الأمريكي المستمر في عالم يزداد حرصاً على قيادته الاقتصادية.