كشفت استقالة ياسر المسحل عن نظام حوكمة مُعطّل استمر لربع قرن، حيث عمل مجلس إدارة اتحاد الكرة السعودي بصلاحيات مطلقة تجمع بين السلطة التنفيذية والتشريعية دون أي رقابة فعلية. هذا هو العرق الذهبي الذي يفسر سلسلة القرارات الكارثية التي اتسمت بها فترة رئاسته، ويضع الاستقالة في إطارها الحقيقي كتتويج لانهيار هيكلي وليس مجرد حدث إداري عابر.
وبحسب تحليل معمق للوضع، فإن جذر الأزمة يعود إلى النظام الأساسي للاتحاد السعودي لكرة القدم نفسه، والذي جعل من الجمعية العمومية -وهي المشرع المفترض- هيئة ناقصة بدون تمثيل حقيقي لأندية كثيرة تمارس اللعبة. وبدلاً من أن يصدر التعديل على اللوائح من هذه الجمعية، كان مجلس الإدارة التنفيذي هو من يلعب الدورين معاً: التشريع والتنفيذ.
قد يعجبك أيضا :
المفارقة الصادمة أن مجلس إدارة ياسر المسحل، عندما جاء لإعادة النظر في هذا النظام، لم يستعد الصلاحيات المسلوبة للجمعية العمومية، بل همشها أكثر. حيث تم سحب صلاحية تعيين وإقالة رؤساء وأعضاء اللجان القضائية منها ونقلها بالكامل لمجلس الإدارة، مما وسّع من دائرة السلطة غير الخاضعة للمحاسبة.
هذا الوضع أنتج سلسلة من القرارات التي وصفت بالكارثية، بدأت بقرار إيقاف نواف العقيدي الذي وصف بالغموض، مروراً بصراع مكشوف بين لجنتي الانضباط والاستئناف، وصولاً إلى حادثة لجنة المسابقات التي استدعت فريقاً لإكمال بطولة السوبر بشكل تناقض مع اللوائح، في خطوة أشبه بلعبة ناقصة لاعب. ولم تتوقف التناقضات عند هذا الحد، حيث أصدرت لجنة الانضباط قرارات متباينة ضد لاعبي نادي الأهلي جالينو وديميرال رغم ارتكابهما نفس الخطأ.
قد يعجبك أيضا :
وبينما تطرح الاستقالة سؤالاً ملحاً حول من سيعالج كوارث لجان الاتحاد، فإن السؤال الأكبر يتمحور حول كيفية إعادة دفع عجلة التطور المتوقفة. وهنا تبرز مقولة تتداول على نطاق واسع بين المراقبين تشير إلى أن اتحاد الكرة، منذ بداية الألفية الجديدة، يبدو وكأنه يهتم بمصلحة نادي الهلال أكثر من المصلحة العامة.
ورغم أن هذه المقولة قد تكون صورة نمطية أو تعميماً مبالغاً فيه لا وجود له في الواقع إلا في عقل من يؤمن به، إلا أن إلغاء هذه الصورة الذهنية يتطلب، بحسب التحليل، تشكيل مجلس إدارة جديد تظهر أعماله للجميع أنه يعمل لخدمة كرة القدم السعودية بأكملها، وليس لخدمة نادٍ واحد.