يقف البنك المركزي اليمني في قلب أكثر الملفات الاقتصادية حساسية للمواطن اليمني: قيمة الريال في جيبه، وقدرة الدولة على صرف رواتب موظفيها. فمنذ نقل مقره الرئيسي من صنعاء إلى عدن أواخر عام 2016، تحوّل اسم المؤسسة من مجرد جهة نقدية تقنية إلى عنوان لأزمة وطنية تتقاطع فيها السياسة بالاقتصاد، وتتحدد عندها قيمة الراتب الشهري لمئات آلاف الأسر. وفهم دور هذا البنك في صرف الرواتب وإدارة سعر الصرف في اليمن صار شرطاً لفهم لماذا يشتري الراتب نفسه اليوم سلعاً أقل بكثير مما كان يشتريه قبل سنوات.
في هذا التقرير المرجعي نعرّف بالبنك المركزي اليمني نشأةً ووظيفةً، ونشرح انقسامه بين عدن وصنعاء، ودوره في توفير السيولة للرواتب وإدارة مزادات العملة، والعلاقة المباشرة بين سعر الدولار في اليمن وقيمة ما تتقاضاه من أجر.
ما هو البنك المركزي اليمني؟ النشأة والوظيفة
البنك المركزي اليمني هو المؤسسة النقدية الرسمية للجمهورية اليمنية، والمسؤول عن إصدار العملة الوطنية (الريال اليمني) ورسم السياسة النقدية والإشراف على القطاع المصرفي. وبحسب ما هو موثّق في موسوعة ويكيبيديا والمصادر الرسمية، يعود تأسيس البنك إلى عام 1971 ومقره التاريخي مدينة صنعاء، حيث نشأ في الأصل بنكاً مركزياً للجمهورية العربية اليمنية (الشطر الشمالي).
ومع قيام دولة الوحدة عام 1990 واندماج الشطرين الشمالي والجنوبي، توحّدت المؤسسة النقدية في كيان واحد هو البنك المركزي اليمني، ليصبح المظلة الوحيدة لإدارة العملة والاحتياطيات النقدية للبلاد.
وظائف البنك المركزي الأساسية
تتلخص مهام البنك المركزي اليمني، شأنه شأن أي بنك مركزي، في جملة وظائف جوهرية:
- إصدار العملة الوطنية والحفاظ على استقرار قيمتها.
- إدارة احتياطيات الدولة من النقد الأجنبي.
- الإشراف على البنوك التجارية وشركات الصرافة وتنظيم عملها.
- إدارة حساب الدولة العام وتوفير السيولة اللازمة لتمويل النفقات، ومن أبرزها رواتب موظفي القطاع العام.
- التدخل في سوق الصرف عبر مزادات بيع وشراء العملة الأجنبية بهدف ضبط سعر صرف الريال.
لماذا يوجد بنكان مركزيان في اليمن؟ الانقسام بين عدن وصنعاء
الإجابة المختصرة: لأن الحرب التي اندلعت عام 2015 أنتجت سلطتين متنازعتين، فانقسمت معهما المؤسسة النقدية. ففي سبتمبر 2016 أصدرت الحكومة المعترف بها دولياً قراراً بنقل المقر الرئيسي للبنك المركزي من صنعاء إلى عدن، باعتبارها العاصمة المؤقتة. ومنذ ذلك التاريخ صار في البلاد عملياً مركزان نقديان: فرع عدن الذي تعترف به الأمم المتحدة والمؤسسات المالية الدولية ويتعامل مع الاحتياطيات والودائع الخارجية، وفرع صنعاء الخاضع لسلطة الحوثيين.
هذا الانقسام لم يبقَ إدارياً، بل ترجم نفسه إلى انقسام نقدي حقيقي بعد أن منع فرع صنعاء تداول الطبعات الجديدة من العملة التي أصدرها بنك عدن، فنشأت فعلياً منطقتان نقديتان تتداولان الريال نفسه بسعرين مختلفين.
من هو محافظ البنك المركزي اليمني؟
المحافظ المعترف به دولياً للبنك المركزي اليمني هو أحمد أحمد غالب المعبقي، الذي يقود فرع عدن ويمثّل المؤسسة في تعاملاتها مع المنظمات المالية الدولية والدول الداعمة. ويتولى المحافظ ومجلس إدارة البنك إدارة الاحتياطيات والإشراف على السياسة النقدية ومتابعة ملف تمويل الرواتب، إضافة إلى عقد الاجتماعات الدورية مع البنوك التجارية لضبط أداء القطاع المصرفي.
للوقوف على الفارق بين سعر صرف الريال في صنعاء وعدن وأثره على المواطن، يمكن الرجوع إلى تحليلنا التفصيلي حول الفارق بين صنعاء وعدن في سعر الصرف والعوامل التي تغذّيه.
دور البنك المركزي في صرف الرواتب وتوفير السيولة
هنا تكمن النقطة الأكثر التصاقاً بحياة المواطن. فالبنك المركزي اليمني هو الجهة التي تمر عبرها رواتب موظفي الدولة المدنيين والعسكريين؛ إذ تُحوَّل المخصصات من الخزينة العامة إلى حساب الدولة لدى البنك، ثم تُصرف عبر البنوك التجارية ومكاتب المالية في المحافظات.
غير أن قدرة البنك على توفير هذه السيولة ترتبط بمصدرين رئيسيين: الإيرادات العامة للدولة (وفي مقدمتها عائدات تصدير النفط والغاز والجمارك)، والدعم الخارجي على شكل ودائع أو منح. وحين تتراجع الإيرادات — كما حدث بعد توقف صادرات النفط — تتعثر دورة الرواتب أو تُصرف بشكل جزئي، وهو ما يفسّر استمرار ملف تأخر الرواتب وصرف نصفها في كثير من المحافظات.
كيف تؤثر مزادات العملة على الرواتب وسعر الصرف؟
من أبرز أدوات البنك المركزي في عدن ما يُعرف بـ"مزادات العملة"، وهي عمليات يطرح فيها البنك مبالغ من النقد الأجنبي (الدولار غالباً) للبيع على البنوك وشركات الصرافة. الهدف المعلن من هذه المزادات هو ضخ عملة صعبة في السوق لتمويل استيراد السلع الأساسية والوقود، وامتصاص الفائض من الريال، وبالتالي كبح تدهور سعر الصرف.
تؤكد البيانات المنشورة على الموقع الرسمي للبنك المركزي اليمني (cby-ye.com) أن البنك يجري مزادات دورية لبيع وشراء العملة الأجنبية ضمن أدوات سياسته النقدية الرامية إلى استقرار سعر الصرف.
والعلاقة بين هذه المزادات والرواتب علاقة غير مباشرة لكنها وثيقة: فحين تنجح المزادات في تثبيت سعر الصرف، تحافظ الرواتب على قيمتها الشرائية؛ وحين تتعثر بسبب نضوب الاحتياطيات، يتراجع الريال وتتآكل قيمة الراتب نفسه حتى لو صُرف كاملاً بالأرقام.
العلاقة بين سعر الصرف وقيمة الراتب الشرائية
الراتب رقمٌ ثابت بالريال، لكن قيمته الحقيقية متغيرة تبعاً لسعر الدولار. فحين كان الدولار يعادل نحو 215 ريالاً قبل الحرب، كان الراتب الواحد يكفي لتغطية احتياجات الأسرة لشهر كامل. أما اليوم، ومع تجاوز سعر الدولار في مناطق سيطرة الحكومة عتبات قياسية، فإن القيمة الشرائية للراتب نفسه تقلّصت إلى جزء بسيط مما كانت عليه.
وبتعبير آخر: قد يحصل الموظف على الرقم نفسه أو أكثر بالريال، لكنه يشتري كمية أقل من الطحين والوقود والدواء. هذا هو جوهر أزمة العملة في اليمن، وهو ما يجعل ملف سعر الصرف أكثر أهمية لدى المواطن من رقم الراتب الاسمي ذاته.
يتيح الموقع الرسمي للبنك المركزي اليمني نشر أسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الريال بشكل دوري، باعتبارها مرجعاً رسمياً تستند إليه البنوك والمتعاملون.
الأسئلة الشائعة
ما دور البنك المركزي اليمني في صرف الرواتب؟
يدير البنك المركزي حساب الدولة العام الذي تُحوَّل إليه مخصصات الرواتب، ثم يوفّر السيولة اللازمة لصرفها عبر البنوك التجارية ومكاتب المالية. وتعتمد قدرته على ذلك على حجم الإيرادات العامة والدعم الخارجي المتاح.
أين مقر البنك المركزي اليمني ومن محافظه؟
المقر التاريخي للبنك في صنعاء منذ تأسيسه عام 1971، لكن الحكومة المعترف بها دولياً نقلت المقر الرئيسي إلى عدن عام 2016. والمحافظ المعترف به دولياً هو أحمد أحمد غالب المعبقي.
لماذا يوجد بنكان مركزيان في اليمن؟
بسبب الانقسام السياسي والعسكري منذ 2015–2016، الذي أنتج فرعاً في عدن تعترف به الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية، وفرعاً في صنعاء خاضعاً لسلطة الحوثيين، فصار لكل منهما سياسته النقدية.
كيف تؤثر مزادات العملة على الرواتب؟
مزادات العملة تضخّ نقداً أجنبياً في السوق لتثبيت سعر الصرف. ونجاحها يحافظ على القيمة الشرائية للرواتب، بينما يؤدي تعثرها إلى تدهور الريال وتآكل قيمة الراتب حتى لو صُرف كاملاً.
لماذا يختلف سعر صرف الريال بين صنعاء وعدن؟
لأن فرع صنعاء منع تداول الطبعات الجديدة من العملة، فنشأت منطقتان نقديتان تتداولان الريال نفسه بسعرين مختلفين، مع اختلاف السياسات النقدية وحجم السيولة في كل منطقة.
كيف يؤثر انهيار الريال على قيمة الراتب؟
الراتب رقم ثابت بالريال لكن قيمته الحقيقية مرتبطة بسعر الدولار. فكلما ارتفع سعر الصرف، اشترى الراتب نفسه كمية أقل من السلع، أي أن قيمته الشرائية تتآكل حتى مع ثبات قيمته الاسمية.
اقرأ أيضاً
- صنعاء مقابل عدن: لماذا يختلف سعر صرف الريال بين المدينتين؟
- أزمة نصف الراتب وتأخر صرف الرواتب في اليمن
المصادر
- البنك المركزي اليمني (الموقع الرسمي) — cby-ye.com وcentralbank.gov.ye
- ويكيبيديا (البنك المركزي اليمني) — الموسوعة الحرة
- وكالة الأناضول — aa.com.tr