أسئلة عن اسم الفاعل واسم التفضيل وصيغة التعجب والاستثناء وجدت طريقها إلى اختبارات مركزية موجهة لطلاب لا يتجاوزون الصف الثالث الابتدائي، في مشهد يطرح تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كنا نعلّم الطفل اللغة أم نحمّله من الأعباء المعرفية ما قد يزرع فيه النفور منها.
يتعامل التلاميذ في هذه المرحلة العمرية مع قوائم طويلة من المصطلحات النحوية واللغوية التي تتطلب نضجاً ذهنياً يفوق قدراتهم، ما قد يجعلهم ينظرون إلى العربية على أنها مادة معقدة منذ بداية مسيرتهم الدراسية.
ويُحذر التربويون من أن التركيز على هذه التفاصيل والمصطلحات قبل ترسيخ المهارات الأساسية للقراءة والاستماع والتحدث والكتابة، يدفع بالطلاب للانشغال بالبحث عن الإجابة الصحيحة في الاختبارات بدلاً من الاستمتاع بالكلمة وتذوق المعنى وبناء علاقة وجدانية مع لغتهم.
ويكمن خطأ جسيم في قياس جودة المنهج بعدد المهارات التي يحتويها، بينما المعيار الحقيقي هو مقدار ما يستطيع الطالب استيعابه واكتسابه دون مشقة أو نفور. والسؤال المطروح هو: هل يستوعب طالب الصف الثالث هذه المفاهيم النحوية بصورة عميقة ومستقرة، أم أن هذه الكثافة المعرفية المبكرة ستجعل اللغة العربية في نظره مجرد مجموعة من القواعد الجامدة التي تُحفظ للاختبار ثم تُنسى؟
قد يعجبك أيضا :
ويلاحظ المتابعون أن عددا غير قليل من الطلاب بات يحمل رهبة مبكرة من اللغة العربية، ليس بسبب طبيعتها، بل بسبب الطريقة التي تُقدّم بها أحياناً، والتي تطلب من الطفل أن يحلّل اللغة قبل أن يعيشها، ويشرح القاعدة قبل أن يتذوق أثرها.
وتحتاج العربية، في أعين أبنائها الصغار، لأن تعود لغة محببة وقريبة من نفوسهم، ووسيلة للتعبير والتواصل والإبداع، لا أن تكون سلسلة من الأسئلة الاصطلاحية التي تثقل الذاكرة وتستنزف الجهد منذ الخطوات التعليمية الأولى.
قد يعجبك أيضا :
ولهذا، فإن مراجعة طبيعة المهارات اللغوية المقدمة في الصفوف المبكرة أصبحت ضرورة تربوية ملحة. فالهدف الحقيقي ليس تخريج طفل يعرف تعريف اسم الفاعل في ورقة اختبار، بل تخريج قارئٍ يحب القراءة، ومتحدثٍ يعتز بلغته، وكاتبٍ يستطيع التعبير عن أفكاره بثقة. عندها فقط ستأتي القواعد والمصطلحات في مراحلها المناسبة، لتبقى أعمق أثراً وأرسخ حضوراً في ذاكرة الطالب.