آلاف المليارات من الريالات اليمنية، ليست في البنوك لتمويل الاقتصاد أو لدفع الرواتب، ولكنها مكدسة في مخازن شركات الصرافة وحوزة رجال الأعمال، وفق مسؤولين في البنك المركزي. هذا الاكتناز خارج النظام المصرفي هو القلب الخفي لأزمة خانقة تُشِل الحياة اليومية في المناطق المحررة.
مع اقتراب نهاية كل شهر، يتردد السؤال المقلق: أين اختفت أوراق الرواتب؟ الموظفون الحكوميون يواجهون عجزاً عن الحصول على مستحقاتهم، في ظل شح حاد للأوراق النقدية السليمة داخل البنوك. لا تعدّ هذه أزمة نقود فحسب، بل هي أزمة أوراق، إذ باتت البنوك تكتفي بمنح كل عميل مبلغاً لا يتجاوز 80 ألف ريال يومياً فقط، وسط تراجع حاد في الثقة.
ويرى الخبير الاقتصادي عبد السلام الأثوري أن جوهر الأزمة هو اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي، حيث خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي. ويُشير إلى تآكل القنوات الرسمية، حيث باتت مؤسسات حكومية تودع أموالها لدى شركات الصرافة بدلاً من البنك المركزي، مما خلق قنوات موازية. كما يبرز اختلال الإنفاق، إذ تُصرف رواتب لأسماء وهمية أو غير فعالة، تتسرب لاحقاً للمضاربة.
أما عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي، فهو يصف الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية نفسها، نتيجة الاكتناز خارج البنوك، مما أدى إلى شلل في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل. ويوضح أن البنوك فقدت جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بمرونة أعلى، وفي غياب أدوات مالية جاذبة، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره.
وتتجلى تداعيات هذه "السكتة" الاقتصادية في تفاصيل مأساوية يومية. في إطار هذه الأزمة، تؤجل بعض المرضى زياراتهم للأطباء، وتوجه مدارس خاصة تحذيرات لأولياء الأمور من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي بسبب عدم سداد الرسوم، ويعاني تجار من عجز عن تجديد بضائعهم، بينما يقف المستهلكون عاجزين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.
ويُشير الباحث المالي حلمي الحمادي إلى أن الأوراق النقدية وقعت في "مصيدة السيولة" بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث بات المتحكمون بالإيرادات يحتفظون بالأوراق في منازلهم بعد أن كانوا يضعونها لدى شركات الصرافة ويضاربون بها. ويخلص إلى أن أخطر ما في الأزمة هو أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً تسبب في تركيز السيولة لدى فئات محددين، مما أنشأ "اختناق سيولة موضعي".
الأزمة، حسب مصادر، ليست مجرد تعثر مالي. هناك مخاوف متزايدة من أن تؤدي إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية للشراء.
الخبراء الاقتصاديون يتفقون على مجموعة إجراءات ضرورية لاستعادة التوازن. ويُشدد الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة، وإصلاح الرواتب وإزالة الازدواج الوظيفي والأسماء الوهمية. كما يرى أهمية تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي. من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل واستخدام أدوات مالية ذكية تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية، وتحديث القطاع المصرفي ليكون أكثر كفاءة لاستعادة الثقة.