يتم الكشف عن خلل هيكلي ضخم في قلب الاقتصاد اليمني: تشخيص للبنك الدولي أظهر أن شركات الصرافة، التي لا تمثل أكثر من 12% إلى 15% من أصول القطاع المالي، تسيطر بشكل غير متناسب على ما بين 35% و40% من صافي الأصول الأجنبية للبلاد. هذه السيطرة الواسعة، التي كانت تبدو قوة في الظاهر، تحولت إلى نقطة هشاشة رئيسية مع تنفيذ البنك المركزي اليمني إجراءات رقابية مشددة، مما أدى إلى تدهور متسارع في وضع هذه الشركات منذ منتصف مارس الماضي في العاصمة المؤقتة عدن.
ووصف المستشار الاقتصادي برئاسة الجمهورية اليمنية فارس النجار ما يحدث بأنه ليس أزمة مفاجئة، بل هو "اكتشاف متأخر لاختلالات تراكمت طوال سنوات الحرب"، مردها إلى انقسام نقدي فرضته جماعة الحوثيين. وأوضح أن استحواذ الحوثيين على دين عام للبنوك التجارية مقدر بـ 1.8 تريليون ريال، وحجز احتياطيات قانونية بقيمة 747 مليار ريال بالطبعة القديمة، أدى إلى شلل البنوك الرسمية وعزلتها عن المنظومة المالية الدولية.
قال النجار أن هذا الفراغ سمح لشركات الصرافة بالتمدّد خارج حجمها الطبيعي، لتمارس مهام بنكية مثل فتح الحسابات بشكل مخالف للقانون. كما أشار إلى دور محوري لإنشاء "اللجنة الوطنية لتمويل وتنظيم الواردات" في تخفيف المضاربات التي كانت تغذيها شركات الصرافة، خاصة في قطاع المشتقات النفطية الذي يقدر بنحو ثلاثة مليارات دولار.
من جانبه، وصف الخبير في الاقتصاد المالي خلدون الدوش الوضع بأنه "انفجار فقاعة" كانت تتضخم لسنوات. وأكد أن قطاع الصرافة تحول إلى سوق موازٍ للمضاربة وليس للوساطة المالية، حيث أدارت محال صغيرة ملايين الدولارات دون رؤوس أموال حقيقية أو احتياطيات إلزامية.
وأضاف الدوش أن إجراءات البنك المركزي التصحيحية، مثل توحيد سعر الصرف واشتراط تراخيص جديدة، "لم تخلق الهشاشة، بل كشفتها"، مشيراً إلى أن تلك الشركات كانت تعيش على "الودائع الساخنة" وتوظفها في مضاربات يومية. وقال الخبير المصرفي علي التويتي أن تلك الإجراءات نجحت في تضييق الخناق على المضاربة، لكنها قلصت في الوقت ذاته الهوامش الربحية للصرافين.
في تقرير صادر في 3 أبريل 2026، حذر صندوق النقد الدولي من أن إطالة أمد الصراع في الشرق الأوسط قد تزيد الضغوط على سوق الصرف وتؤدي لنضوب الاحتياطيات، مؤكداً ضرورة تعزيز نظام سعر الصرف القائم على السوق.
ويربط البنك المركزي والحكومة اليمنية سياسة التشدّد الرقابي بالمتغيّرات الإقليمية، إذ تتبنى سياسة "الترقب والتحوط" لمنع ارتدادات الحرب من ضرب استقرار الصرف في وقت حرج يسبق استئناف مشاورات المادة الرابعة مع صندوق النقد الدولي.
ويخلص الدوش إلى أن أزمة السيولة الراهنة هي "المحرك والنتيجة معاً"، حيث شح العملة الصعبة وعزوف البنوك وضع الصرافين أمام خيارين أحلاهما مر: "إما المضاربة عالية المخاطر أو الموت البطيء"، ويبدو أن الكثيرين قد وقعوا في فخ الخيارين معاً.