0.6%. هذا هو معدل ارتفاع الأجور في السعودية خلال يناير الماضي. رقم يبدو محدوداً عند النظر إليه بشكل مجرد، لكنه يخفي وراءه فروقات كبيرة بين القطاعات، إلى درجة أن بعض الموظفين في قطاعات محددة قد يكونون حصلوا على زيادات تفوق هذا المتوسط بعشرين ضعفاً تقريباً.
الهيئة العامة للإحصاء أصدرت بيانات يناير 2026 يوم الخميس 26 مارس، وكشفت أن الرقم القياسي للإيرادات التشغيلية للأنشطة الاقتصادية نما بنسبة 3.2% على أساس سنوي، وهو ما يشير إلى أن الشركات تحقق إيرادات أعلى مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
وعندما ترتفع الإيرادات، تزداد قدرة الشركات على تحسين الأجور، لكن البيانات أوضحت أن هذا التحسن لم يُوزع بالتساوي على جميع القطاعات.
فبينما ارتفع متوسط الأجور العام بنسبة 0.6% فقط، سجلت ثلاثة قطاعات نمواً تجاوز 13%.
القطاع الأول هو القطاع المالي والتأمين، الذي جاء في صدارة النمو. ويعكس ذلك سعي البنوك وشركات التأمين إلى جذب الكفاءات والاحتفاظ بها في سوق يشهد توسعاً متسارعاً مع دخول مستثمرين جدد وزيادة النشاط المالي.
أما القطاع الثاني فهو الاتصالات وتقنية المعلومات، حيث بدأ عام الذكاء الاصطناعي ينعكس بشكل واضح على سوق العمل، مع تصاعد الطلب على المبرمجين ومحللي البيانات والمتخصصين في التقنية، ودخول الشركات في منافسة متزايدة على استقطاب هذه الكفاءات.
القطاع الثالث هو التشييد والبناء، مدفوعاً باستمرار مشاريع رؤية 2030، من نيوم إلى القدية إلى ملاعب كأس العالم 2034. هذه المشاريع الضخمة تحتاج إلى أيدٍ عاملة ماهرة بوتيرة مرتفعة، في وقت لا يزال فيه المعروض من المهارات المتخصصة أقل من حجم الطلب.
في المقابل، لم تستفد كل القطاعات بالمستوى نفسه. فقطاعات مثل التجزئة التقليدية والضيافة الموسمية شهدت نمواً أقل بكثير من المتوسط، نتيجة هوامش الربح الضيقة وضغط المنافسة الرقمية، وهو ما يجعل رفع الأجور أكثر صعوبة حتى مع تحسن الإيرادات.
كما أن نمو الإيرادات التشغيلية بنسبة 3.2% لا يعني بالضرورة أن الشركات توجه هذه الزيادة إلى الرواتب، إذ إن جزءاً من السيولة يُعاد توجيهه إلى التوسعات، أو الاستثمار في التقنيات، أو تحسين الكفاءة التشغيلية.
قد يعجبك أيضا :
وعلى المستوى العملي، فإن هذه الأرقام تقدم إشارة واضحة للموظفين والباحثين عن عمل. من يعمل داخل أحد القطاعات الثلاثة الصاعدة قد يجد أن هذا هو الوقت الأنسب للتفاوض على راتبه أو استكشاف فرص جديدة داخل القطاع نفسه، لأن ميزان السوق في هذه المجالات يميل أكثر لصالح الموظف.
أما من يعمل في قطاع لم يشهد نمواً يُذكر في الأجور، فقد يكون من المجدي التفكير في تطوير مهارات تفتح له باب الانتقال إلى القطاعات الأعلى نمواً، مثل تحليل البيانات، أو الأمن السيبراني، أو إدارة المشاريع العقارية.
وتكشف هذه البيانات في النهاية أن الرقم العام لا يروي القصة كاملة. فخلف متوسط 0.6% توجد سوق عمل منقسمة بين قطاعات ترتفع فيها الأجور بقوة، وأخرى تتحرك ببطء شديد، ما يجعل معرفة موقع كل موظف داخل هذه الخريطة عاملاً حاسماً في قراراته المهنية القادمة.