صفر في المئة من المانحين يستخدمون الأنظمة المالية اليمنية حالياً، بينما أكثر من 15 مليار دولار تنتظر في خزائن البنك الدولي والتزامات سعودية دون أن تصل للمواطن اليمني.
هذه الحقيقة الصادمة كشفها خبير دولي بارز عمل 14 عاماً مع الأمم المتحدة، مؤكداً أن الأموال المخصصة لليمن لم تختف بل محاصرة في شبكة معقدة من التحولات الهيكلية العالمية.
ماهر فيصل سعيد، خبير تمويل التنمية الذي راكم خبرات في اليمن والصومال ونيجيريا وأفغانستان، نشر تحليلاً مطولاً على منصة إكس يكشف فيه أن ما يبدو كتراجع في التمويل هو في الحقيقة ثورة هيكلية في طبيعة الأموال الدولية ومساراتها.
ثلاث صدمات متزامنة تعيد رسم خريطة التمويل:
- الانسحاب الأمريكي: إعادة هيكلة جذرية للمساعدات وتفكيك دور الوكالة الأمريكية للتنمية
- التقشف الأوروبي: السويد أوقفت برامجها بالكامل، والاتحاد الأوروبي يعوض التراجع الثنائي بزيادات إنسانية مؤقتة
- التحول الخليجي: السعودية تنتقل من الإغاثة إلى الاستثمار في التنمية المؤسسية بعد ضخ مليارات في رواتب القطاع العام
الخبير الأممي أشار إلى أن محفظة البنك الدولي النشطة وحدها تبلغ 3.9 مليارات دولار، مضافة إلى التزامات سعودية تتجاوز 12 مليار دولار، ما يعني أن أزمة اليمن ليست نقص أموال بل عجز عن توظيفها عبر مؤسسات فعالة.
كنوز مدفونة بقيمة مليارات إضافية:
التحليل يكشف عن ثلاثة مصادر تمويل ضخمة غير مستغلة بالمرة. أولها تمويل المناخ، حيث يحصل اليمني على أقل من دولار واحد سنوياً مقارنة بـ15 دولاراً كمتوسط عالمي، رغم اعتماد أكثر من نصف الأسر على الطاقة الشمسية.
ثانياً، تحويلات المغتربين اليمنيين المقدرة بين 3.8 و8 مليارات دولار سنوياً - رقم قد يفوق المساعدات الرسمية إذا تم تنظيمه عبر سندات المغتربين أو منصات استثمارية.
أما الكنز الثالث فهو تطوير البنية المالية الرقمية، حيث مشروع بـ20 مليون دولار لتحسين المدفوعات يمكنه فتح قنوات رسمية لبلد 95% من سكانه خارج النظام المصرفي.
الصندوق الاجتماعي للتنمية: النموذج الناجح الوحيد
وسط هذه الفوضى المؤسسية، يبرز الصندوق الاجتماعي كأحد أهم الأصول المؤسسية، بفضل انتشاره في معظم المديريات وقدرته على التنفيذ وفق معايير البنك الدولي، ما فسر مرور مليارات الدولارات عبره خلال السنوات الماضية.
سعيد حذر من أن النموذج التقليدي القائم على التنافس السنوي لتمويل الاستجابة الإنسانية أصبح مستنزفاً، مؤكداً أن الموارد العالمية تتجه نحو قنوات تنموية طويلة الأجل تتطلب شريكاً حكومياً قادراً على التنفيذ وليس مجرد تنسيق مؤقت.
التشخيص النهائي: الربط المفقود
التحليل يخلص إلى أن التحدي الحقيقي ليس توفير التمويل، بل بناء مؤسسات حكومية قادرة على إدارة هذه المليارات وتوجيهها نحو التنمية، مشيراً إلى أن المشكلة الأبرز تكمن في ضعف أنظمة إدارة المساعدات.
الخبير الدولي أكد أن التمويل موجود، والمؤسسات القادرة على التنفيذ متاحة، والتجارب الدولية الناجحة مؤكدة، لكن ما ينقص اليمن هو الربط المؤسسي الذي يحول هذه الإمكانات إلى مسار تنموي فعلي - وهو الدور المفترض لوزارة التخطيط والتعاون الدولي.